United National Group
09/03/2010 19:39:56  
Documents
  الآرشيف

 


الفصل الثاني


السلام


السلام في مفهوم التجمع القومي الموحد


( نحو نظرية معرفية للحرب )


تكاد كلمة السلام أن تكون حاضرة في أغلب مقولات التجمع القومي الموحد, وهي في كل حالات حضورها, لا تشكل حقلا مستقلا في سياق المقولة, بقدر ما تشكل معلما واضحا في نسيجها الحي, جزء فريدا منه, بخصوصيته, وتميزه, ولكنها في الوقت نفسه مندمجة فيه حد التوحد.


فالسلام, هنا ليس حالة مطلوبة, أو غاية منشودة, أو تعبيرا عن فيض إيمان عميق بالدلالة و المعني, فحسب, ولكنه واحدا من الشروط الجوهرية لكي تكون الحياة برمتها, حقلا قابلا للإخصاب والإنبات.


في البدء كانت الحرية, لا الكلمة, وفي البدء أيضا كان السلم لا الكلم, لأن الحرية والسلام هما جناحا هذا الحلم الإنساني, الذي يطوي المسافات ويخترق الأزمنة سعيا إلي الوصول ومن ثم الالتحاق بتحقيق الوجود الكوني, وإذا كان هذا الوجود الكوني يستند إلي حقيقة أزلية وأبدية ثابتة ,تفعل فعلها وتأثيرها بغير توقف.ألا وهي التوازن, فإن السلام بدوره تعبير عن توازن مثلما أن الحرية بدورها تعبير عن توازن, وعندما يختل التوازن تغيب الحرية, وعندما يختل التوازن في مكونات النسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي تغيب الحرية, وعندما يختل التوازن في مكونات النسق الإقليمي أو الدولي يصبح السلام واقعا تحت التهديد.


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد:


"هو السلام ماكنا, ولما نزل وما إليه الصائرون من أدم حيوية ووسطي, رقيها إيمان بالله و القومية ".


وعندما تقول المقولة هو السلام, كما تقول هو الحق, أو هو العدل, فإنها تتحدث عن معرف بذاته, وعندما تختار تعبير هو السلام مدخلا لمضمونها, فإنها تنتقل من نسبية السلام, أي ارتباطه بمتغيرات وعوامل موضوعية أو ذاتية تحيط به وتسهم في صياغته وديمومته وبقائه, إلي مطلق السلام, الغني عن أي ارتباط, أو متغير, أو عامل, تتحدث إذن عن السلام في ذاته, المعرف بذاته , المستقل بذاته, أي عن السلام وجودا, والسلام حضورا, والسلام معني, والسلام فعل.


ما هو السلام ؟ إنه التحية في الإسلام, وهو التحية الباقية الأبدية بعد أن يرث الله الأرض وما عليها, يقول تعالي " تحيتهم يوم يلقونه سلاما " . إنه الأمان والاستقرار والمصالحة والعدل والتوازن والحق , وهو بمعني أخر , الإشباع بالدلالتين المادية والروحية معا , لأن الجنة نفسها هي دار السلام , ولعل هذا هو المعني الأعمق لقوله تعالي : " أدخلوا في السلم كافة " , فقد قرأها أبو عمر علي أن السلم هو الجنة "فإن جنحوا للسلم فاجنح لها .." فالسلام هو الاسم من التسليم, ولكنه في قول أمية البراءة من العيوب كما نقول " رجلا سلما " .


تضيف المقولة :" هو السلام ماكنا" , أي انه الحقيقة الأزلية التي فطر الله الناس عليها ,حيث توازنت حاجاتهم واستقرت  حقوقهم , وتحقق لهم الإشباع ببعديه المادي والروحي .


وتضيف:" ولما نزل وما إليه لصائرون ".إن السلام بهذه الدلالة الإنسانية الواسعة, ليس أزليا فقط, ولكنه أبدي أيضا, بل هو قصد الحياة الإنسانية ذاتها, وهدفها الاسمي, لأنه عمارة الأرض, وعمارة أهلها, منافعا, وتعارفا, وتفاعلا خلاقا, أنه نهر التاريخ الإنساني, الدائم الجريان, الواثب الفيض, الموصول بالمبتدى والمنتهي,"كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله".


منذ أدم وإلي أن يرث الله الأرض, للسلام فعل دائم ودائب, ولكنه حيويته أي فعله الذي يصدر منه, ويصب فيه في الوقت ذاته, هو العدل, فوسطي تعني عدلا, و الوسط من كل شيء أعدله, وكذلك الأوسط, وهما غير تعبير التوسط الذي دائما ما يتم الخلط بين معانيهم," كنتم أمة وسطي" أي عدلا, فالسلام نهر, والعدل ضفتيه, أو قل هو مجراه الذي لا يتبدل ولا يتحول عنه, إذا بقي فعل العدل في رقيه وسموه, حيث المرقاة هي وسيلة الصعود, ليكون موصولا بالإيمان ,كما هو موصول بالانتماء الحضاري الإنساني,..


إن جانبا من هذا المعني التاريخي الحضاري للسلام, كما تنطق به المقولة, لم يكن بعيدا عن أنضج ما أنتجه بعض شعراء الإغريق والرومان, وما بقي حيا من شعرهم بسبب ذلك, نراه عن فرجيل الروماني وهريود الإغريقي, حيث ظل السلام يمثل الجنة الموعودة, والعصر الذهبي, وكأنه الحلم اليقظ في عيون الإنسانية, والنبوءة الحية التي ترفرف في وجدانها الحي, بل لقد ظل العقل الإنساني عبر العصور يجتهد في البحث عن آليات فاعلة, سواء علي نحو نظري أو عملي, لكي يكون السلام هو سارية العلم, الذي يرفرف فوق رؤوس البشرية.


ولقد كان الفكر العربي الإسلامي سباقا في التحذير من مغبة الحروب, وفي البحث عن تفسير لظاهرة الحرب, فقد وصف الفارابي منذ القرن العاشر الميلادي, في كتابه أراء أهل المدينة الفاضلة, الحرب بأنها أكبر شر يصيب البشرية, ووضع أول تفسير لها يكاد يتطابق مع تفسير الظاهرة الاستعمارية ذاتها قبل بزوغها, ويعبر في الوقت نفسه عن قانون لم يصغه الفكر الغربي ,إلا بعد تسعة قرون, وهو قانون النمو غير المتكافئ, حيث قال "إن الحرب تولد مع روح التكسب والتجارة " فقد اعتبر الحروب منتوجا جانبيا لنمط من التطور الاقتصادي والاجتماعي بين الأمم, وليس غريزة شر كامنة في بنية الشعوب, أو بذرة مطمورة في الروح البشرية مقتربا من صياغة أول نظرية للحرب, ترد عن الإنسانية ذلك التفسير الذي عشعش لقرون طويلة في الفكر الغربي, ومازال يتنفس في بعض خلاياه, مؤكدا أن الحرب إنما هي تعبير عن عدوانية يتصف بها النوع البشري في عمومه, أو عن العدوانية كخاصية فردية, يتصف بها صناع القرار, في الطريق بين الحرب والسلام.


أن ألبير كامي نفسه هو الذي يقول وهو يطل علي برك الدم التي أنجبتها الحرب العالمية الثانية, في منتصف القرن العشرين:"   لقد اعتدنا أن نتساءل أين تكمن الحرب, وما الذي جعلها تبدو شديدة الحقارة, لكننا أدركنا الآن أين يكمن أصل الحرب, أنه داخل نفوسنا " وهذا التفسير العدمي الذي يرجع فعل العدوان وأحداث الاذي إلي تكوين أصيل في النفس البشرية ذاتها, حفر لنفسه مجري عميقا في الفكر الغربي منذ القرن السابع عشر, علي يد الفيلسوف البريطاني توماس هويز, الذي الحق فعل الحرب بالطبيعة الإنسانية, وقبل أن يقرر الفيلسوف الهولندي   اسبينوزا في القرن السابع عشر, أن الحروب نتيجة حتمية لانتصار قوي الشر والهوى, على قوي العقل والمنطق في داخل النفس البشرية, التي تحمل النقيضين, ولكن قوي الهوى فيها أشر غلبة وأقوي تأثيرا , كان القديس اغسطين يرسخ النزوع إلي الشر في النفس البشرية المسئولة عن سفك الدماء, بتفسير لاهوتي, يرده إلي الخطيئة الأولي لآدم قبل أن يخرج من الجنة, ثم لأبنائه بعد إخراجه منها.


وهو تفسير بغض النظر عن غطائه الديني, يتفق مع ما أخذ يؤكده علماء الاثولوجيا (دراسة السلوك الحيواني ) من أن العدوان والنزوع إلي القتل فرديا وجماعيا, إنما هو نزوع فطري موروث, تشكله غريزة البقاء, واصل انتقاله إلي النوع الإنساني على امتداد نموه وتطوره وارتقائه, وانه مثل آلية لاستمرار النوع في البقاء.


وإذا كانت الحروب مدفوعة بالغريزة أو بالفطرة الموروثة ,وأن هذا هو تفسيرها ,فإن استئصال الحروب ,إنما يعني في هذه الحالة استئصال جانب من الطبيعة البشرية ,وهذا أمر يدخل في نطاق المستحيل, كما أنه لا ينطوي علي تفسير للسلام, باعتباره يعبر عن حاجة إنسانية أصيلة.


مع هذا فإن البحث عن آلية لمنع اندلاع الحروب, ظل يمثل عاملا ضاغطا , حتى لدي أولئك الذين خلصوا إلي أن ظاهرة الحرب إنما هي منتوج طبيعي للتكوين الإنساني ذاته , من هنري الرابع ملك فرنسا أو وزيرة (سولي) الذي وضع مشروعا كبيرا لنشر السلام وانتهاء بالفيلسوف البريطاني براتراند راسل مرورا بالفيلسوف (ليبنز) , والأب سانتي بيير , في القرن الثامن عشر, ثم الفيلسوف الفرنسي جاك رسو صاحب العقد الاجتماعي , الذي أسس تصورا للتحالف بين الدول , من أجل نبذ الحروب, وبعده الفيلسوف الألماني (كانت) الذي تشبع بأفكار ( رسو) , وقدم تصورا نظريا , يعتمد علي النظر إلي الناس على أنهم أسرة واحدة ,  قانونها العقل , ودستورها الأخلاق.


لكن ما طرحه الفارابي قبل عشرين قرنا ظل في موضعه ,الصيغة الأكثر تطورا واكتمالا لتفسير الحرب, بما يحيط بها ويغذيها من ظواهر , ومتغيرات اقتصادية واجتماعية ,  دون ردها كليا إلي جانب معتم في النفس البشرية, حيث ربط ظاهرة الحرب , واستخدام القوة المسلحة, بما أطلق عليه بدقة " روح التكسب " ولم يقل روح الكسب.


لقد حاول دارس غربي (روبرت جرفيس ) , أن يتجاوز نظرية الشر الكامن في الذات البشرية , كباعث أساسي لاندلاع الحرب, وبالتالي للعلاقات الدولية , مؤسسا تجاوزه علي أن الفكرة المحورية في العلاقات الدولية, و بالتالي في اشتعال الصدامات المسلحة , ليست الشر , وإنما المأساة , إنما تأتي تعبيرا عن مأزق الأمن.


فعندما يسعى بلد لزيادة حصته من الأمن فإنه يخطو بغير قصد لإنقاص حصة غيره من الأمن الأمر الذي سيترتب عليه أن يقتطع هو من حصته , لأن غيره سوف لن يتوقف عن سعيه لاستعادة ما تم اقتطاعه من حصة أمنه ربما يدرك الآخر أن زيادة سقف أمنه, سوف يتوقف علي نجاحه في أن يواصل اقتطاع حصة من أمن المحيطين به ,ويتبدى طابع المأساة هنا في أن البحث عن أمن أكثر اكتمالا , إنما يولد في النهاية أمنا أكثر نقصانا , فالذين يهربون من مأزق الأمن باستقطاع أنصبة غيرهم من الأمن , يعبرون عن قمة المأساة الدرامية, التي يجسدها أبطال التراجيديا الإنسانية , الذين كلما أمعنوا في محاولة الهروب من مصائرهم المحتومة, كلما ازدادوا دنوا واقترابا منها , علي غرار مأساة الملك لير , في دراما شكسبير الباقية.


غير أن ( جرفيس ) الذي قدم إجابة عن انفجار المأساة إلي ذروتها , لم يقدم بدوره إجابة عن السبب الجوهري للتوجه نحو مقدمة المأساة, لماذا تبدأ المأساة , أي لماذا يتوجه بلد إلي أن يقتطع من أمن غيره , لتظل الإجابة الغائبة وكأنها بدورها تعبير عن نزوع داخلي إنساني , سواء أكان فرديا أو جماعيا.


تتقدم واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد لتقدم بنفسها الإجابة, يقول نص المقولة:


 " للسلام بعد حيوي تستوقفه الحروب لكنها..ليست نقيضه, يتصدى للفوضى , ويغيبه الإلحاد بالله وبالآدمية القومية "


أي أن الحروب لا توقف هذا البعد الحيوي للسلام , وإنما تعطله , لكن الحرب مع ذلك , بحسب المقولة , ليست نقيض السلام , كيف يكون الأمر صحيحا من منظور المنطق الصوري , الذي يري أن الشئ لا يمكن أن يكون هو ونقيضه في الوقت ذاته , فالنور نقيض الظلام , والخير نقيض الشر , والحرب بالضرورة نقيض السلام , هل لأن للحرب بعدا حيويا آخر يعطله السلام , كما أن للسلام بعدا حيويا تعطله الحرب ؟


لا تخرج هذه الإجابة عن قوانين المنطق الصوري أو الشكلي , الذي يري أن الحرب والسلام لا يجتمعان , لأن كلا منهما يشكل حالة, مناقضة للأخرى, لكنه من منظور المنطق الجدلي, فإن الحرب موضوعيا ليست نقيض السلام, ذلك أن نطفة السلام , موجودة طول الوقت في جوف السلام, وهي قابلة للنمو, ومن ثم الولادة.


والسؤال: كيف يلد السلام حربا, ولماذا تلد الحرب في النهاية سلاما, وأي بعد حيوي للسلام, ذلك الذي تعطله الحرب , وما صلة هذا البعد الحيوي بالإلحاد بالله وبالآدمية القومية ..؟


إن هتلر هو الذي كتب في كتابه كفاحي يقول بالحرف الواحد:


" إن الطبيعة لم تحجز هذه الأرض لكي يتملكها مستقبلا, أي بلد بعينه, أو عنصر بعينه, الأمر عكس ذلك , لأن هذه الأرض موجودة لمن يمتلكون القوة التي تساعدهم علي الاستيلاء عليها " . 


لقد نشأ علم الجغرافيا السياسية في بداية القرن العشرين , حيث كانت الدراونية البيولوجية , قد دخلت إلي الحقل الاجتماعي , وعبر علم الاجتماع عن صيغ جديدة تحت مضمون هذه الدراونية , باسم الدراونية الاجتماعية , التي دخلت بدورها في ذلك العلم الناشئ , وهو الجغرافيا السياسية , ولقد اعتمد هتلر علي هذا التداخل , الذي منح صكوك حقوق جديدة للقوة , كي تمارس فعلها تحت اسم الحاجة , أو تحت نظرية المجال الحيوي , متركزا علي الجانب المعياري , وهو ضغط النمو السكاني علي هيكل الدولة , التي لا بديل أمامها سوي التوسع , وضم أراضي جديدة إليها , طالما امتلكت القوة اللازمة لتحقيق ذلك , وهذا ما تعده المقولة صدقا وعدلا , تغييبا للبعد الحيوي للسلام , الذي يتصدى للفوضى , وهو تغييب لا يرجع إلي الإلحاد بالله فقط ,ولكن إلي الإلحاد بالآدمية القومية , وتعبير الآدمية القومية غير المسبوق في القاموس العربي , بالغ الدلالة , والنفاذ إلي تشخيص ظاهرة القومية العنصرية , في سياقها الذي يحدد المبررات الذاتية , لأن تتحول قومية أو أمة إلي أمة لصة , تمنح نفسها الحق في الاستيلاء بالقوة علي ما تملكه أمة أو قومية أخري , لأنها تكفر بالآدمية القومية , وبالله , فتضع نفسها في موضع الغلبة , والأولوية في التصنيف البشري , وتسوغ لنفسها بعنصريتها الذاتية , وبتمركزها علي نفسها , مشروعية التمدد , وانتزاع حقوق الآخرين , وضمها بالقوة المسلحة إليها , منجبة بالتالي الفوضى , حيث يصبح القانون السائد هو قانون الغاب , قانون الأقوى , والاعلي  , والأميز , لتصبح القوة هي الحق , والحق هو القوة , ويصبح قانون القوة , هو القانون الاعلي في العلاقات بين الدول والأمم والقوميات , لتنجب الفوضى في النهاية بحارا من الدماء , وجبالا من الضحايا , كما هو المنتوج النهائي للحرب العالمية الثانية .


وفي تجربة هتلر وغيرها بعد ذلك , استخدمت الدراونية الاجتماعية , كمبرر في أسوأ الأحوال , وكمفسر في أفضل الأحوال , لنزعة التوسع باستخدام القوة المسلحة , تحت ضغط عامل مباشر , هو الزيادة السكانية علي وجه التحديد , قبل أن يجري تطوير النظرية , بدمج عنصر جديد في عنصرها السابق , وهو الانفجار السكاني , ألا وهو عنصر التقدم التكنولوجي , وحسب الطبعة الجديدة من النظرية , فإن العنصران معا , الانفجار السكاني , والتقدم التكنولوجي , يؤديان معا إلي حدوث زيادة في الطلب , الذي يؤدي بدوره إلي حدوث ضغوط جانبية علي هيكل الدولة , تؤدي بدورها إلي أن يصبح التوسع الجانبي مخرجا وحيدا متاحا , يفتح الباب واسعا , أمام استخدام القوة المسلحة , لتحقيق التوسع الإقليمي , الذي أصبح بدوره سلعة قومية , تنزع بذاتها إلي الحرب العدوانية والصدام المسلح , لتولد الحرب من رحم السلام , وليغيب البعد الحيوي للسلام , منجبا الفوضى والدمار , بسبب تلك القومية غير الآدمية , أي القومية العنصرية الكافرة .


وكما دخلت الدراونية, في تلافيف علم الجغرافيا السياسية , لم تلبث المخرجات الجديدة في علم النفس , أن ألقت بظلالها علي النظريات , التي حاولت أن تحيط بجوانب محدودة في ظاهرة الحرب .


لقد تم تطوير نظرية المؤثر والاستجابة , التي أنجبتها المدرسة السلوكية في علم النفس , والخاصة بالسلوك الفردي , في شكل نظرية أخري لتفسير السلوك الجماعي , أو القومي , في الإطار الدولي , تحت أسم نظرية الفعل ورد الفعل , حيث تم تقديم النظرية كقاعدة لقياس التفاعلات المركبة بين دولتين , أو لبناء سلسلة الأفعال التفاعلية المتتالية , التصاعدية التي تؤدي عند اكتمال بنائها الرأسي , الذي يأخذ مسارا حلزونيا , إلي انفجار السلام المسلح .


وقد تعددت الدراسات الغربية في إطار هذه النظرية , وامتدت بتفسيراتها إلي حقل مرحلة الحرب الباردة ذاتها , لتؤكد نتائجها القائمة علي الاستقرار بالدرجة الأولي , علي أن كل فعل معاد من طرف , يتولد منه عنه فعل معاد من الطرف الآخر بالمقابل , وان مبدأ المعاملة بالمثل , هو الذي كانت له الغلبة , في سياق الفعل ورد الفعل , من كل جانب إلي الآخر .


كما أجريت دراسات أخري أكثر تعمقا , لدراسة العامل السابق , " الفعل ورد الفعل " , في وجود عوامل متغيرة أخري , كدرجة الصراع الداخلي في كل دولة , وتتم تطبيق بعض هذه الدراسات علي الصراع العربي الإسرائيلي , وجاءت النتائج بدورها مشيرة إلي أن مستوي الصراع المتوقف علي سلوك الطرف الآخر , ومدي تقبل الدولة الاخري , أو مجموعة الدول الاخري , هو الذي يشكل العامل الأكثر حسما في اندلاع المواجهة العسكرية .


لابد مع ذلك من الإشارة , إلي الحديث عن قانون علمي , توصلت إليه دراسة ما , أو بحث ما لا يعني مطلقا , أن نتائج الدراسة أو البحث تحمل في طياتها تفسيرا للقانون , الذي تقول إنها توصلت إليه , ذلك أن القانون في هذه الحالة , إنما يعني اكتشاف صلة بين متغيرين أو أكثر , والبرهنة سواء بالاستقرار, أو الاستنباط , علي ما يؤيد هذه الصلة , وإثبات صحة الفروض التي تقود إلي تأييد وجود هذه الصلة , فعندما تقدم دراسة ما ,  تفترض أنه قانون يتعلق بالحروب التي اندلعت بين الدول على الحدود في دوائر الأقاليم المختلفة , مرتكزة علي قاعدة مسح إحصائي , لمدة الحروب علي امتداد ثلاثة أحقاب  متصلة , بين منتصف الأربعينات ومنتصف السبعينات من القرن الماضي , ومنتهية إلي قانون ذي ثلاثة وجوه , من خلال هذا المسح المتعمق , أولها أن احتمال حدوث حرب بين دول في حدود الإقليم يتضاعف في حالة ما إذا كانت هذه الدول متاخمة لبعضها جغرافيا , وثانيها أن الأغلبية  الكبيرة من الحروب في هذه الحالة كان يتم بين دول متقاربة نسبيا في القوة , وثالثها : أن تصنيف هذه الدول المتصادمة عسكريا والمتاخمة لبعضها جغرافيا و المتقاربة نسبيا في القوة , يضعها في مراتب الدول , الأقل تقدما من الناحية التكنولوجية , أن مثل هذا القانون الذي تم بناء أركانه الثلاث على الاستقرار  لا يتخطى حدود البرهنة علي وجود روابط بين عوامل مختلفة أحدها ثابت , وبقيتها متغيرة , تعتمد علي الجوار الجغرافي , ومستوي القوة , ودرجة التقدم التكنولوجي , دون أن ينطوي على تفسير علمي , لهذه العوامل , أو لأسباب الارتباط بينها , أو للمنتوج النهائي ,


المترتب علي التفاعل بين عناصرها .


أن صياغة قوانين علي هذه الشاكلة في مقولات التجمع القومي بالغ الوضوح , رغم تأسيسها يقوم بالأساس على الاستنباط  , أي علي إيجاد صلة عقلية بين عامل ثابت وبين أكثر من عامل متغير , وفي بعض الأحيان , يتم المزج بين المنهجين :الاستباط والاستقراء ....


تقول واحدة من مقولات التجمع في سياق مسألة السلام والحرب:


( وسيسألونك لماذا الآن ؟ وبأذنهم تقول : لابد أن تعرف أن استحضار الذات لمقاومة الألم هو من الطبيعة في المكان والزمان ,ما يرقي سقف الحصانة الوطنية....) .


أن العامل الثابت هنا , هو استحضار الذات لمقاومة الألم , أما العوامل المتغيرة , فهي المكان والزمان , وسقف الحصانة الوطنية. لقد اكتشفت المقولة روابط بين العامل الثابت الأول , وبين العوامل المتغيرة الثلاث, معتمدة علي الاستنباط المنطقي , مؤكدة أن المكان والزمان , رغم أنهما عاملا متغيران فهناك رابطة مؤكدة بينها وبين العامل الثابت ,  وهو استحضار الذات لمقاومة الألم . وهي رابطة تتمتع بالثبات , لأنها من الطبيعة .


وأن بينهم جميعا وبين المتغير الثالث , سقف الحصانة  الوطنية , رابطة برهنت المقولة علي وجودها , لأن استحضار الذات للمقاومة من شأنه أن يرفع سقف الحصانة الوطنية , ولا مراء في أن ذلك يمثل قانونا , تمثل المقولة منطوقه فالمقاومة تتطلب استحضار الذات , وهذا الاستحضار يمثل أمرا طبيعيا , تجري به قوانين الطبيعة في أي زمان ومكان , لكن استحضار الذات للمقاومة , هو الذي يرفع سقف الحصانة الوطنية , إذا كان ذلك يمثل قانونا صحيحا , بالكشف عن الموضوعية القائمة بين العامل الثابت والعوامل المتغيرة , زمانا , ومكانا , وحصانة وطنية , فلماذا _ إذن _  يبدو فعل استحضار الذات , قابلا لطرح السؤال : لماذا الآن ؟ إنه سؤال يعبر عن جهل بقوانين الطبيعة الإنسانية , يبقي في تعبير استحضار الذات , ما يشي بأن العوامل المقامة ليست مادية فحسب , ولكنها معنوية بالأساس , وليست فردية الطابع , ولكنها جماعية التوجه , فالحديث عن الذات الوطنية , وعن الذات القومية , بكل أبعادها التاريخية الحضارية , وبكل موروثها الذي يستمطر في داخلها طاقة الفعل , والثبات والمواجهة والمقاومة , ثم أن فعل الاستحضار لا يعني البحث , فهذه الذات ليست محل بحث أو تنقيب أو كشف , إنها مكتملة في حيز الوجود  , ولكن المطلوب أن تكون قائمة في حيز الوجود , ليس ثمة بحث عن الذات , لأن الذات ليست رقما عائما في معادلة المقاومة , وليست مجهولا , إنها قيمة عليا تاريخية وحضارية وثقافية , محددة المعالم , تتمتع بكل رصيد الأمة المتراكم , خلال رحلة نموها وتطورها , وجهادها الممتد الطويل , وبالتالي فإن حضورها , أو استحضارها , هو الذي يكسب المقاومة , طاقة فعلها وتواصلها , وهو بالتالي العامل الأساسي , في رفع سقف المناعة الوطنية .


قد تتبدي صحة هذا القانون الذي صاغته المقولة , وبرهنت عليه بالاستدلال , على نحو أكثر وضوحا , إذا أخضعناه لمنطق الاستقرار ,من خلال بعض الحقائق المرتبطة بالظاهرة الاستعمارية , أن مساحة مجموع الدول التي شكلت الظاهرة الاستعمارية , تساوى 2 مليون ميل مربع . من مساحة العالم , لكنها تمكنت من احتلال مساحات من أراضي دول أخري ابتليت بالاستعمار , تساوي 57 مليون ميل مربع , أي أنها تمكنت من احتلال مساحات من الأراضي بالبشر والدول والأنظمة القائمة فوقها, تساوي قدر مساحة دولها 28 ضعفا , لقد احتلت بريطانيا وحدها في أوج هذه الظاهرة , مساحات من أراضي دول أخري تقدر قياسا إلي مساحة بريطانيا  نفسها بما يساوي 142 ضعفا , واحتلت هولندا مساحات من أراضي دول أخري , تقدر مساحتها  قياسا إلي مساحة هولندا  بما يساوي 57 ضعفا , وكذلك بلجيكا 50 ضعفا , وفرنسا 22 ضعفا , وايطاليا 19 ضعفا .


غير أن ما بنته الظاهرة الاستعمارية في خمسمائة عام , قدر له أن يهوى خلال عشرين عاما .


و السؤال : أي طاقة وقدرة مكنت هذه القوي الاستعمارية , من السطوة و السيطرة والاحتلال , وهل تعكس مثل هذه النسب المتباعدة , مدي القوة العسكرية بين طرفين علي نحو واقعي , مع طول المسافات , وضعف إمكانيات النقل , وغياب القدرة علي استخدام الفضاء , وميادين العمل العسكري المجهولة والبعيدة عن مصادر الإمداد .


التفسير الوحيد لذلك هو ما استبق الظاهرة الاستعمارية نفسها , من تمهيد للمسرح الاستراتيجي , كي يكون فعلها صالحا لحصد ثماره المرجوة, أنه خلخلة الذات الوطنية , تغييبها , تفتيتها , وبالتالي خفض سقف المناعة الوطنية , أي خلق حالة أطلق عليها مفكر شرقي وصفا دقيقا هو : " القابلية للاستعمار " .


أن هذا بدوره ما يفسر علي وجه الدقة, تأخر الاختراق الاستعماري للعالم العربي , رغم الموقع القريب والبيئة المفتوحة , لقد ترك الاستعمار الأوروبي الشواطئ الجنوبية القريب منه , التي تطل علي البحر الأبيض  وألقي رحاله بعيدا في الشرق الأقصى , وفي أفريقيا المدارية , ولم يدخل إلي الوطن العربي إلا في القوس الأخير لهجمته الاستعمارية , ولقد كانت المناعة القومية هي السبب الأول والأخير دون مراء , كانت الجغرافية الحضارية, والذات القومية التاريخية في أوج حضورها المانع والعائق , وحائط الصد , أمام الضغوط الأوربية المتضاعفة والمتزايدة , التي تهاوت تحت معاولها  حضارة أسيا في الهند , وجزر الهند , وغيرها , ثم كانت هذه الذات الحضارية القومية بجغرافيتها الحضارية , هي التي أوصلت الظاهرة الاستعمارية بعمرها نصف الألفي , إلي الشيخوخة ثم الاحتضار, خلال عقدين فريدين من استحضار الذات , والمقاومة , ورفع سقف المناعة الوطنية والقومية , كما تشير المقولة بحق , في سياق القانون الذي قدمته .


تضيف واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد إلي المشهد السابق , أعماقا أبعد قائلة :


 " أن ما تقتضيه مصلحة العدو , يتطلب بالضرورة قبول فرضية الهزيمة قبل وقوعها , وان الحرب المعلنة علي امتنا هي حرب مدججة بمعايير أخلاقية وحضارية تتقدمها الحرية التي نفتقر إليها , ونحتاج ممارستها لتخليق إرادة الأمة العربية في الصمود والانتصار " .


أن قبول فرضية الهزيمة قبل وقوعها , يعني تحقق الهزيمة المعنوية , أي خلق حالة القابلية للاستعمار , أو استحسان التبعية , فالثقل المعنوي في كل مبارزة تاريخية , هو رمانة الميزان في السلام والحرب , والنصر والهزيمة .


ولقد كتب ( كلاوز فيتنر ) سيد المدرسة البروسية في الحرب  , وأستاذها الأول , وفيلسوف الحرب الحديثة , في كتابه الذي حمل عنوان ( عن الحرب ) والذي مازال متنا صافيا لنظرية الحرب ,  في كافة الأكاديميات العسكرية حول العالم , يقول بالحرف الواحد :" إن القوي المادية هي قبضة السيف الخشبية , أما القوي المعنوية فهي حد السيف البراق اللامع " . أما فعل الارداة التي تبرزه المقولة , حدا فاصلا بين الانتصار والهزيمة,  فهو عند كلاوزفيتز , الفضيلة الأولي للجيش المقاتل أو  المقاوم , فعلي الرغم من تقدير كلاوزفيتز للقوى العددية وللحشد وللمناورة , وللقيمة الفاصلة للتحول من الوضع الدفاعي إلي الهجوم المضاد السريع  القاطع , الذي هو " سيف الانتقام اللامع البتار " علي حد تعبيره , فقد ظل تقديره الأكبر قائما علي التأثير الفاعل للروح المعنوية والإرادة , فميدان المعركة الحاسمة هو صراع الارادات , والانتصار هو القضاء علي معنويات العدو  , لا القضاء المادي علي قوته وإبادتها , وخسران المعركة لا يتحقق إلا بفقدان الإرادة وانهيار القوة المعنوية ,  بل أنه يشبه الإرادة عند بقائها صامدة وشامخ في المواجهة بأنها: " كالمسلة في ميدان فسيح , تتشعب منه وإليه كل الطرق الرئيسية في المدنية " .


تضيف المقولة ": وإن الحرب المعلنة علي أمتنا هي حرب مدججة بمعايير أخلاقية وحضارية .." أن تعبير المعلنة يعني وضوح غاية الحرب , وعلانية أدواتها وخطابها , أما كلمة " مدججة " فهي تكاد أن تشي بغلبة الطابع الفكري والمعنوي في هذه الحرب المعلنة , لدرجة أن هذه المعايير الأخلاقية والحضارية , تكاد أن تكون نفسها هي وحدات المدفعية في ميدان المعركة , أو قل قذائف مدفعياتها , التي تصب حممها , لتهدئة ما تبقي من خطوط الدفاع .


لقد كتب صموئيل هتنجتون , صاحب نظرية صراع الحضارات , يصف العصر بأنه عصر حروب المسلمين ,  وهو عصر وحروب احتلت مكان الحرب الباردة كشكل أساسي للصراع الدولي  , ولقد بزغ عصر حروب المسلمين عنده من أربعة عوامل متداخلة , تبدأ من انبعاث الوعي الإسلامي , الذي يعود في تفسيره إلي رد فعل تجاه الحداثة والتحديث والعولمة , وتنتهي بزيادة المعدل العالي للمواليد والسكان في المجتمعات الإسلامية , مرورا بعاملين هما : الانقسامات الدينية والعرقية والسياسية داخل العالم الإسلامي  ثم تبلور إحساس من الاستياء والحسد والعدوانية , خاصة بين العرب ضد الغرب , كرد فعل علي الموقف الشعبي , من الحكومات  العربية الفاسدة , ومن الحكومات الغربية التي تساندها .


والحقيقة أن هذه النظرة إلي الإسلام , ليست مستحدثة , بل هي قديمة قدم الفكر الغربي ذاته, الذي ظل يري أن العنف قرين الإسلام, وان الإسلام والديموقراطية نقيضان لا يجتمعان, فضلا عن أن الإسلام لا يقبل الحوار العقلي, ولقد ظلت هذه النظرة ممتدة من قبل مرحلة التنويه الغربي , إلي المرحلة ذاتها, قبلها عند دانيال _مثلا_ وفي قلبها عند مونتسيكيو وفولتير وغيرهما, ومؤخرا عند برنارد لويس, قبل هنتنجتون , ولم يكن ذلك في مرده قبل مردوده , إلا تعبيرا عن ظاهرة التمركز الأوروبي, أو المركزية الأوربية, ومن بعدها التمركز , أو المركزية الانجلوسكسونية  التي ظلت تعبر عن نفسها في تعبيرين طبعا السلوك قبل الفكر هما : احتكار التاريخ , واحتكار الجغرافيا , حيث ظلت الإستراتيجية بوصلة هذا الصنف من الاستعمار , بينما كان الاستغلال قبلته , أو كانت الإستراتيجية مجراه , والاستغلال مصبه , لكن المقارنة ليست مقبولة , عندما يغمز الغربيون , بان الإمبراطورية التي ابتنتها الظاهرة الاستعمارية , كانت مجرد تقليد في التوجه , لتلك الإمبراطورية العالمية الأولي , علي حد تعبير ماكندر , التي ابتناها الفتح العربي , في العصور الوسطي , والتي لم تتبعها من قبل دولة في الامتداد والرقعة .


" لقد خرج عرب الإسلام _ كما يصف جمال حمدان _ في موجة كاسحة مثلث انقلابا جذريا , في إستراتيجية الصراع التاريخي , من أطراف الصين إلي أبواب فرنسا , ضمن دولة العرب والإسلام شمال الهند , ووسط أسيا , وكل هضبة إيران _سجستان , وخراسان وفارس _ إلي جانب العالم العربي بتحديده الحديث , مضافا إلي ذلك جميعا , شبه الجزيرة الايبرية إلا قليلا , أو المغرب الأوربي , أو المغرب الثاني  كما يسمي , بل لقد طغت هذه الموجة المدية , علي شطر كبير من شرقي هضبة الأناضول _ أرض الروم _ حيث كانت التخوم الشهيرة " الثغور والعواصم " , بين الخلافة وبيزنطة , وكادت تنتزع القسطنطينية , لولا أنها ارتدت في 718 , كما أرسلت في الغرب السنة متقدمة إلي فرنسا وسويسرا , لولا أنها ارتدت في النهاية في معركة ثور 732 " .


"وفيما بين الهامشين انقلب ميزان القوي في البحر المتوسط رأسا علي عقب, فبعد أن كان الساحل الجنوبي, يخضع كلية للساحل الشمالي, أصبحت السيطرة للساحل الجنوبي علي نقط كثيرة من الساحل الشمالي , كما في جنوب إيطاليا , وبروفانس , وآلت كل جزر البحر من " قبرس " حتي " صقلية " إلي النفوذ العربي , وهكذا لم تتحطم نظرية وحدة البحر المتوسط , بمفهومها اللاتيني الاستعماري فحسب بل تحول البحر جميعا إلي بحيرة عربية شبه خالصة , ولو أن العرب سموه بحر العرب بدلا من بحر الروم , لما تعسفوا الحقيقة التاريخية , أو الجغرافية في شئ " .


" أما في الجنوب فقد انطلقت الموجة العربية لتتحلق حول المحيط الهندي , بسواحله الإفريقية والهندية , ثم توغلت حتي الملايو , وجزر الهند الشرقية , حيث تغلغل النفوذ العربي الحضاري , في الدرجة الأولي , والسياسي في المحل الثاني , وهكذا تحول المحيط الهندي , إلي بحيرة عربية لا يشارك فيها مشارك , والمحصلة النهائية لهذا , إمبراطورية تترامي علي القارات القديمة الثلاث , تطل أو تشرف علي المحيطات الثلاثة , الأطلسي , والهندي , والهادي , أو علي الأقل تتماس معها , وهي في نفس الوقت ترتكز علي محور قاطع يمتد من ملقا الملايو في الشرق , إلي ملقا الأندلس في الغرب , وكذلك ترتكز علي قاطع آخر , يبدأ _ كما يقول مؤرخو الإسلام _ من فرغانة , وينتهي بغانة " .


هل كانت هذه الدولة كما يقول مؤرخو الغرب , " إمبراطورية استعمارية "  لم تخرج عن كونها غزوا وإخضاعا , وتبعية أجنبية .؟


الحقيقة أن الدولة العربية كانت " إمبراطورية تحريرية " , فهي التي حررت كل هذه المناطق من ربقة الاستعمار الروماني , أو الفارسي المتداعي , واضطهاده الوثني , وابتزازه المادي , وبعدها لم تعرف الدولة الجديدة عنصرية , أو حاجزا لونيا , بل كانت وحدة مفتوحة من الاختلاط والتزاوج الحر , وما عرفت قط , شعوبية أو حاجزا حضاريا , حيث كانت وسطا حضاريا متجانسا مشاعا للجميع , بل ولم تخلق نواة متروبولية سائدة , تتميز علي سائر المقاطعات والأقاليم في شئ .


كانت السلطة " دولة بين الجميع " , بلا استثناء إن صح التعبير , فقد هاجر مركز الحكم السياسي بانتظام , فلم يلبث بعد قليل أن ترك " النواة النووية " , في جزيرة العرب , التي أصبحت في النهاية وهي جزيرة السلام , دار السلام , دار العرب الكبرى , فانتقل إلي الشام الأموية , ثم غادرها بدورها إلي العراق العباسي , حتي تركه في وقت ما إلي مصر الفاطمية , وكان المغرب مركزا آخر للقوة , ومثله كانت الأندلس .


واضح إذن أن أخوة الدين, كان يقابلها أخوة الأقاليم, وسواسية الناس, كانت تترجم إلي سواسية الولايات والمقاطعات, والحقيقة أن الدولة العربية الإسلامية , كانت شركة مساهمة بين كل أعضائها , وأطرافها _ كما يقول حمدان _ كما كانت أول فصل في جغرافية التحرير .


كانت طاقة التحرير هنا, هي طاقة الإيمان, ثم طاقة الموقع, ثم طاقة العقل, فقد تحول الموقع كما سمح بذلك إلي قاعدة وثوب, برا وبحرا, وتحولت طاقة الإيمان إلي وقود يحرك المفاصل بخفة , ويجري الدم باندفاع , وتحولت طاقة العقل , إلي إبداع حضاري وإستراتيجي وعسكري , فقد تفاعلت القوتان , الصلبة واللينة , وأصبحت القوة العربية الصاعدة مع الإسلام , قوة بحر , وقوة برا معا بعد " أن خرجت عن وصاية الصحراء , لتضع قوي العالم الكبرى , البرية والبحرية , تحت وصايتها " .


في هذا السياق قد يكون من المفيد تعميقا للرؤية حول ازدواجية المفاهيم , وازدواجية المواقف , علي الجانب الآخر , التوقف عند الملاحظتين الجوهريتين التاليتين :


أولا :     أن أكثر الآثار العلمية تشكيلا للفكر السياسي والاجتماعي الغربي , لم تتجاوز علي هذه الازدواجية , بل اعتمدتها منهجا في مواقفها من الظواهر المتماثلة , في الحقل الأوربي وخارجه , ويكفي أن نتوقف تدليلا علي ذلك عند واحد من المؤلفات , التي يري الغرب أنها قادت الفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي , في القرن الثامن عشر , وترك آثاره العجيبة علي منهجية هذا الفكر بعد ذلك , وهو كتاب روح القوانين لمونتسكيو , فرغم أن مونتسكيو ركز دراسته علي القوانين السياسية والمدنية , وربطها بنوع الحكومة , وبالثقة فيها , وبروح المساواة , ورغم أن الجمهورية المثالية عنده هي التي يسودها حسن توزيع الثروة وعدالته , لكنه في الفصل الثاني من كتابه , وهو يتحدث عن علاقة القوانين بحالة الحرب , يسوق دفاعا مجيدا عن الحرب والغزو , ويصفهما بأنهما وسيلتان من وسائل الحفاظ علي بقاء الأمة , وضمان استمرارها , ثم يضيف نصا : " إن الحرية لتبدو في بعض الأحيان غير متفقة في حالة بعض الشعوب التي لا تستطيع تحملها , والتي لم تتعود علي التمتع بها , كالهواء النقي , إذ يضر أحيانا بمن كانوا يعيشون في أماكن تكسوها المستنقعات" , بل هو يفصل روح القوانين بعد ذلك , تفصيلا جغرافيا عرقيا , تفوح منه العنصرية , فهو مناهض للاسترقاق علي جانب , لكنه مؤيد لاسترقاء العبيد السود من أفريقيا لسببين :


الأول:إنجاز المشروعات الكبرى التي يتطلبها الاقتصاد الأوربي .


والثاني: لأن السود لا يحملون نفوسا خيرة, أو حسب نص تعبيره " فلا نستطيع أن تفهم أن الله الذي هو موجود , جد خبير حكيم , قد ركب نفسا خيرة في جسم أسمر " , وحين يناقش العلاقة بين القوانين السائدة والدين , ينتهي إلي أن الديانة المسيحية تتفق مع الحكم الديموقراطي , بينما يتفق الإسلام , مع حكم الاستبداد .


ثانيا :    لقد كانت الظاهرة الاستعمارية صناعة أوربية , ولكنها كانت ظاهرة للتصدير خارج القارة , لا للاستهلاك في داخلها , فأوروبا أو واحدة من دولها , لم تستعمر أوربا , أو واحدة من دولها علي الإطلاق , باستثناء شذوذ في القاعدة تمثله مواقع ارتكاز صغيرة للتوجه الإستراتيجي الاستعماري , علي غرار مالطة أو قبرص , لكن الصدامات بين الوحدات السياسية في أوربا , كانت حوادث موقوتة , تنتهي تسويات في الحدود , أو في المصالح , ولقد كان ذلك نابعا بالتأكيد من سيادة نظريات التفوق العرقي والجنسي , ومراتب ودرجات الألوان البشرية , ومراتب ودرجات الفقر , والغني أو علي حد تعبير ونستون تشرشل :" أن حكم العالم ينبغي أن يكون للدول التي أشبعت حاجاتها , ولو ترك حكم العالم للشعوب الجوعي , لكان هناك خطر داهم علي العالم كله .." ضع ذلك كله في مواجهة ما أستقر عقيدة وسلوكا , في أوج اندفاعة الفتح العربي , " لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوى " , " كلكم لآدم وأدم من تراب " , أن هذا المضمون الانساني البالغ الرفعة والسمو هو الذي صاغته مقولات التجمع القوي الموحد , في تعبير ذهبي , إذا أشتققنا له من فقه القانون صفة , فهو " جامع مانع " , أنه تعبير (الآدمية القومية ).


أن العالم لم يقدم نظرية معرفية شاملة للحرب حتى الآن , رغم أنه اهتدي إلي الإمساك بكثير من قوانينها , ورغم نجاحه في البرهنة علي صحة هذه القوانين , خلال مراجعات  نقدية مستفيضة لأغلب الصدامات العسكرية والمعارك التي أغرقت وجه الأرض بالدم , فقد اتسعت الدراسات الاستراتيجية التي حاولت أن تمسك بتأثير العوامل المباشرة وغير المباشرة , التي صاحبت ظاهرة الحرب , واستخدام القوة بدءا من طبيعة إدراك الخطر , وتأثير الصور وانسياق المعتقدات التاريخية على العملية المركبة للإدراك , وانتهاء بالحسابات الاستراتيجية الخاطئة , التي ساهمت في خلق الاندفاع نحو استخدام القوة كحسابات التكلفة الخاطئة وتوهم سقف زمني ضيق لمعركة خاطفة , والرؤية غير الموضوعية للعوامل الصلبة واللينة التي تساهم في بناء موازين القوي من جانب إلي آخر , مرورا بمحاولة تشريح نسيج كامل من العلاقات الثابتة والمتغيرة ، للوصول إلي قوانين ومعايير تحكم العلاقة بين القوة والصراع , أو تحدد العلاقة – علي سبيل المثال – بين درجة القوة ، والتورط في الحرب ، أو حجم الدولة ، والاستعداد لخوض القتال ، أو حالات الازدهار الاقتصادي والكساد علي جانب ، والتمدد العسكري علي الجانب الآخر ، أو العلاقة بين طبيعة السلطة ، وأسلوب اتخاذ القرار ، والدخول في المواجهة المسلحة ، أو العلاقة بين الأوضاع الداخلية ، والسلوك العنيف للدولة علي المستوي الخارجي ، أو العلاقة بين استقرار نخبة الحكم ، في الدول الكبرى ، وحالة الاستقرار الدولي ، أو القوانين التي يمكن أن تحكم ذلك كله ، في إطار معايير التوازن والخلل في النظام الدولي ، والقيم السائدة التي تحكمه ...الخ.


لقد تحولت الحرب العالمية الثانية بمقدماتها ، ومساراتها ، ثم نتائجها ، إلي حقل خصب لبعض هذه الدراسات النقدية ، لاستخلاص نتائج ، تكاد أن تملك قوة القوانين ، فعندما بدأت النازية الألمانية اندفاعاتها , لالتهام أوروبا , كانت أمريكا ما تزال تعلن الحياد ، حتى بعد أن ضم هتلر النمسا ، وأخرج فرنسا من منطقة الرورو , بينما كانت إجراءات فرنسا وبريطانيا لإعلان الحرب ، لا تخرج عن سياق لغوي خالص ، وعندما اضطرت طائرة عسكرية ألمانية للهبوط في بلجيكا ، واعتقل من بين ركابها ، ضابط ألماني من هيئة الحرب ، وبحوزته خطة ألمانية كاملة ، لغزو بلجيكا وهولندا وفرنسا ( وهو ما سمي باسم أولاف فيسر ) .


لم يكن أحد في أوروبا وأمريكا – كما يروي تشرشل نفسه في مذكراته – يمتلك قناعة بأن ألمانيا , عازمة فعلا علي تمزيق ما تبقي من معاهدة فرساي ، وأن تتقدم لالتهام أوروبا .


كان الهاجس الذي يحكم العقل الاستراتيجي في أوروبا والولايات المتحدة معها ، أنه يمكن العمل بهدوء ، لاحتواء هتلر ، وتقييد نزعته التوسعية ، وذلك بعدم إثارته علي جانب ، وتركه يضم بعض الأرصفة الأوروبية من حوله ، علي جانب آخر ، ثم دفعه إلي مائدة المفاوضات ، وإغرائه بتوقيع معاهدات عدم اعتداء مع بقية جيرانه ، مساومة علي ما ابتلعه بالفعل .


وعندما جلس هتلر ليوقع هذه المعاهدات ، كانت أوروبا تتصور أنها نجحت في تقييده ، بينما كانت يده اليسري توقع علي اتفاقيات ، تعرف يده اليمني أنها ستقوم بتمزيقها بعد أسابيع قليلة .


هكذا بدأ بغزو الدنمارك ، ثم بلجيكا وهولندا ، ، ولكسمبورج بعد أربعة أسابيع ، ولم يمر غير أسبوع آخر ، حتى كان الجيش الهولندي يستسلم والفرنسي ينسحق ، والقوة النازية ، تتقدم علي طول تسعين كم بين " سيدان " و " تامور " علي المحور الجنوبي الغربي ، لتصب حممها نارا في قلب باريس ، بينما العالم كله يقف علي أطراف أصابعه ، يتأمل جاحظ العينين ، مشهدا , بدا له ضربا من الجنون .


المدهش أن الأمر تكرر بعد ذلك علي الجبهة السوفيتية ، فأمريكا التي استوعبت الدرس السابق ، أرسلت قبل الغزو بشهور ، تحذيرا لموسكو ، ثم أرسلت بريطانيا التي استوعبت الدرس بدورها ، تحذيرا آخر ، لكن " ستالين " ، لم ير في التحذيرين ، إلا محاذير ذاتية ، بأنها سلوك استفزازي إمبريالي ، ولذلك لم يكلف نفسه عناء أن يأمر بتعبئة القوات السوفيتية ، ليفاجأ بعد أسابيع أخري ، ودون مقدمات أو بيانات ، باقتحام القوات الألمانية للأراضي السوفيتية ، علي طول الحدود الممتدة علي البحر الأسود حتى بحر البلطيق ، ولذلك كان طبيعيا ، أن تتمكن القوات الألمانية بعد ثلاثة أسابيع فقط ، ، من بدأ أعمال القتال علي الجبهة الروسية ، من التوغل بعمق يتراوح بين 400 إلي 600 كم ، علي جميع محاور الهجوم الرئيسية ، في الأراضي السوفيتية ، بعد أن ذبحت أكثر من ثلاثة أرباع الطائرات الروسية ، وهي نائمة في مخادعها .


لقد جاءت نتائج هذه المراجعة العميقة التي توزعت علي عدة دراسات مستفيضة ، لتثبت مجموعة مبادئ ، كان في مقدمتها :


أولا : أن الأخطاء التي تبدو صغيرة أو تكتيكية في تقدير احتمالات لجوء طرف إلي الحرب ، تترتب عليها أخطاء جسيمة , في مجري المواجهة العسكرية .


ثانيا : أن التراكم الكبير في القوة العسكرية علي جانب ، يخلق لنفسه قانونا خاصا ، في المجال الإقليمي والدولي ، ويمثل حافزا نشطا للحرب والعدوان ، وهو لا يغوي فقط باستخدام القوة للحصول علي مكاسب سياسية ، ولكنه يعتبرها الأداة الأسرع والأسهل ، وهو لا يعلي فقط من مفهوم الأمن الذاتي ، ولكنه يحوله إلي أمن مطلق ، ولذلك فإن تراكم القوة يمثل تهديدا مباشرا , بغض النظر عن ارتباطه بأطماع توسعية ، لأنه يتحول بذاته , إلي حقل خصب , لنمو هذه الأطماع .


ثالثا : أنه لا ينبغي اعتماد موازين القوى الإقليمية في حساباتها العامة ، عند وجود خصم لعدد من الدول علي المستوي الإقليم ، وإنما ينبغي أن توضع موازين القوى الوطنية بشكل منفصل لكل دولة , في مواجهة هذا الخصم ، كما أن حسابات الردع , ينبغي أن تتسم بالمنهج ذاته ، لأن حساب موازين القوي إقليميا , هو حساب مخادع ، طالما أن هذه الدول , ليست منخرطة في نظم من التوحد العسكري الميداني أو الدفاعي .


رابعا : عند حسابات موازين القوى في صيغها المباشرة ، ينبغي أن يكون التركيز واضحا علي طبيعة التوجه التسليحي ، فلا يتم الخلط بين التوجهات الدفاعية المحضة ، وتوجهات التسليح وفقا لمبادئ هجومية واضحة .


خامسا : الربط بين العقيدة السياسية للخصم ، وبين عقيدته القتالية أمر بالغ الأهمية ، لأن العقيدة السياسية ذات التوجهات  التوسعية ، لا يمكن  إلا أن تقود عقيدة فعالة ، مبنية علي التوجهات ذاتها .


سادسا : " السيناريو الأسوأ " قد يكون السيناريو الأضعف ، ولكنه ينبغي أن يوضع في المرتبة الأولي ، عند ترتيب الاحتمالات المضادة .


أما الدراسات الاخري التي ظلت تبحث عن نظرية أشمل للحرب , فقد أخضعت ظواهر الحرب والسلام , الممتدة زمنيا علي أبحاث أكثر طولا وعمقا , ولكنها وصلت بدورها إلي بعض القوانين , باكتشاف صلات وروابط بين الثوابت والمتغيرات , لكنها لم تستطع أن تجمع لبنات هذه القوانين , وتقيم منها أركان نظرية مكتملة .


لقد تركزت أعداد من الدراسات _ مثلا _ على العلاقة بين حجم الدولة , ودرجة القوة , وبين النزوع إلي الحرب , وأقدمت واحدة من بين هذه الدراسات علي  مسح الحروب ما بين عامي 1815 و1965 علي هذه القاعدة , وجاءت النتائج , لتؤكد أن البلدان الأكبر والأقوى , هي الأكثر ميلا للحرب , وان الدول الأحد عشر الكبيرة تورطت في 71% من الحروب علي امتداد هذا التاريخ , وان 90% من خسائر المعارك , وقعت في بلدان بحجم بريطانيا وفرنسا , وروسيا والنمسا ... الخ .


بل أثبتت دراسة أخري , أن الدول التي تشغل المراتب من 1 إلي 5 في النظام الدولي , كان متوسط اشتراكها في الحروب , مرة كل عشر سنوات , وبالتالي فقد تبين أن اغني البلاد وأكثرها تقدما وأكبرها حجما , هي الأكثر تورطا في الصراعات الدولية , بما في ذلك اللجوء إلي القوة المسلحة .


وتركزت أعداد أخري من الدراسات , عن العلاقة بين طبيعة النظام السياسي للدولة , وبين نزوعها إلي استخدام القوة , وعلي امتداد السنوات بين عامي 1945 و 1967 جري مسح الصراعات الدولية , حيث تبين أن الدول الاشتراكية شاركت في ربع  هذه الصراعات , بل انتهت دراسة أخري ( سنجروسامور) _ من جامعة ميتشجان _ مسحت الحروب التي نشبت بين عامي 1861 و 1965 إلي عدم وجود اختلاف بين الأنظمة الديموقراطية بالمقياس الغربي وغير الديموقراطية , لا في الاشتراك في الحرب , ولا في المبادئ التي حكمت هذا التوجه , فحجم الدولة مثل عامل اقوي من نظامها السياسي  , لكن الدراسة برهنت _أيضا _ على أن الديموقراطيات البرلمانية الكبرى كانت أكثر تورطا , بل تبين أن الدول الديموقراطية , أكثر ميلا إلي توظيف المغامرات العسكرية الخارجية , للتأثير على الموقف السياسي  الداخلي , فقد تبين _ مثلا _ أن الولايات المتحدة أكثر ميلا للاندماج  في المنازعات الدولية , ذات الطابع العسكري , أثناء سنوات إجراء الانتخابات , وحين درس (ريتشارد روركرانس ) حالة عد الاستقرار الدولي  في تسعة أنظمة أوروبية مختلفة بين عامي  1740و1960 , انتهي إلي أن حالة عدم الاستقرار الداخلي للنخبة السياسية , شكلت واحدة من أهم أسباب حروب القوي العظمى , بل كانت مرجعية توجهات النمسا وألمانيا التي شكلت اندفاعة الحرب العالمية الأولي , مرتبطة بذلك شأنها شأن حرب القرم , وحرب فوكلاند من طرفيها , والحرب الروسية واليابانية .. الخ.


لتنتهي الدراسة إلي أن نصف الحروب الحقيقية , التي دارت رحاها علي امتداد هذه السنوات , كان مردها إلي أسباب داخلية .


ولقد انتهي ذلك , وغيره , إلي صياغة نظرية أخري , أطلق عليها نظرية " كبش الفداء " وهي تحويل العدو الخارجي , إلي كبش فداء , في سبيل التغطية علي المشاكل الداخلية المتفاقمة .


ولقد تعددت النظريات أو القوانين في الحقيقة , التي تربط بين الأوضاع الداخلية والنظام السياسي للدولة وجنوحها إلي استخدام القوة المسلحة . وهي نظريات وقوانين ظلت تبحث في تلك المساحة الغامضة , التي تعطي جدلية العلاقة بين الحرب و السلام , أو بين السلام والحرب , باعتبارهما ليسا نقيضين , وإنما بعدان لظاهرة إنسانية واحدة .


هناك تفسير مستحدث أتت به النظرية الليبرالية الحديثة يقول أن الدول العدوانية , هي بالضرورة الدولة الديكتاتورية , وأن الدولة الديموقراطية تمتلك دوافعا أقل للعدوان , لأنها تمثل تمثيلا صحيحا مجموع رغبات أفراد شعبها المسالمين , والحقيقة أن هذه الفرضية لم تعد من وجهة نظر الدراسات التاريخية قابلة للصمود , ليس فقط من خلال قراءة المشهد الدولي الراهن , ولكن من خلال استقراء مشاهد التاريخ أيضا , فالديموقراطية ذاتها كانت مبرر ريجان  ثم بوش الأب  لغزو جرينادا وبنما , ثم بوش الابن , لغزو أفغانستان والعراق , فقد تحولت الديموقراطية ذاتها , من عامل مناهض للعدوان والحرب , عموما , إلي مبرر للعدوان , وقد تصوغ جوهر النظرية على هذا النحو  في حقل التطبيق العملي .


لقد حاول عالم اقتصادي بريطاني هو ( جون هيسون ) , أن ينقذ النظرية الليبرالية السابقة من محنتها , مبررا ذلك , بأن العلة لا تكمن في النظام السياسي الليبرالي أو الديموقراطي , وإنما تكمن في قلب النظام الاقتصادي , فعندما يفوق الإنتاج الطلب , وعندما تتعاظم الحاجة للحصول علي المواد الخام , وعندما يتطلب الإنتاج أسواقا جديدة فإن النظام الاقتصادي وحاجاته المتجددة الملحة , هي التي تخصب نطفة الحرب , في جوف السلام , ثم تتكفل بقية العوامل المصاحبة , باستكمال عملية الولادة .


ولقد حاول (كريستوفر تشاسدون ) أن يعمق هذا التصور بقوله: " أن الحروب العالمية تعد أساسا , محاولات لإعادة إنشاء البنيان السياسي بين الدول , لكي تعكس الحقائق الاقتصادية المتغيرة , ولكي تحول القوة السياسية العسكرية للمتحالفين الصاعدين , إلي مشاركة أعظم في فائض العالم "


لقد قامت النظرية التي قدمها لينين بعد ذلك , علي قاعدة النظام الاقتصادي الذي تناوله (جون هيسون ) ليفصل بين دور النظام السياسي في النزوع إلي الحرب , ودور النظام الاقتصادي في ذلك , فقد ما أطلق عليه وضمنه كتاب حمل العنوان ذاته :" الإمبريالية أعلي مراحل الرأسمالية " .


لكن المدهش في ذلك عند تطبيقه علي الولايات المتحدة , أن التوجه نحو الحرب , لم يتزامن مع الكساد الاقتصادي , وإنما تزامن مع الانتعاش بعد فترات الكساد , ينطبق ذلك الحرب العالمية الثانية التي اشتعلت نارها في حالة الانتعاش الذي تلي الكساد الكبير في الثلاثينات , وكذلك الحرب العالمية الأولي , التي تلت حالة التدهور الاقتصادي بين عامي 1913 و 1931 , وكذلك الحرب الأسبانية التي تزامنت مع الازدهار الذي أعقب كساد علم 1893 , وكذلك الحروب المكسيكية التي تتابعت بعد حالة الكساد , التي امتدت بين عامي 1837و 1842, والمحصلة في ذلك أن الحروب الكبيرة , تزامنت مع صعود حركة راس المال ودورة العمل لا هبوطها , أو وقعت عند النقطة الاعلي في منحنى الصعود , علي حافة التراجع أو السقوط أو الانهيار .


تضيف مقولات التجمع القومي الموحد عمقا أكبر إلي ظاهرة الحرب , يربطها بما هو أعلي من المصالح الاقتصادية المباشرة , هدفا وتوجها , مدركة أن الاستراتيجية هي اعلي مستويات الحرب , وان الاستراتيجية في النهاية ذات علاقة وثيقة بالسياسة , فهي تصدر عنها وتخدمها , فالهدف الاستراتيجي هو الأساس , وهو نابع من الاستراتيجية السياسية ذاتها , ولهذا فقد أصبح الهدف الاستراتيجي , في ضوء تحولات النظام الدولي , هو الكيان الوطني و الكيان القومي .


تقول المقولة:


" ذلك الذي تفاقم حولنا ويتشظي فوق رؤوسنا وبأماد حيوية يبوح ببعث امتنا العربية ويستدرك أن الحياة للحياة وان استقرارا يجر معه ذيول الويل والدمار أن هو إلا فعل عدو غادر وغاشم , يجد الخطي للانقضاض على وجودنا القومي , وقتل الذات الخالدة في امتنا العربية "


لن ندرك _ إذن _ تحولات الحرب والسلام , دون الاحاطة بالاستراتيجية المضادة , وتحديد هدفها علي وجه الدقة , وهو الانقضاض علي الوجود العربي , وقتل الذات العربية , ولن ندرك الصور المختلفة التي تأخذها ظاهرة الحرب في تحولاتها , دون إدراك صحيح , واستيعاب كامل لمعني أن الاستراتيجية , هي اعلي مستويات الحرب .



في ضوء ذلك الفهم الاعمق للاستراتيجية المضادة , ولأدواتها , وسياقها , تبلغ المواجهة ذروتها , عندما تتحقق الضرورة , ويصبح من الحتمي مواجهة هذه الاستراتيجية بذات السلاح الذي تستخدمه , تقول المقولة :



" وما لنا لا نقاتل في سبيل الله , حيث أمة سلبت حقوقها , ووطن مزقت أوصاله , وقومية تحمله خشبة نجاة من القهر و الموت والعبودية " .



القتال إذن في مواجهة القهر , وفي مواجهة الموت وفي مواجهة العبودية عندما تشكله الضرورة , وتدفع به الضرورة إلي خطوط المواجهة عندما تمطر الاستراتيجية المضادة حممها مستهدفة الكيان القومي , والذات .



كيف يستقيم الحديث عن الحرب ليستهلك ذلك كله تحت عنوان السلام , في الحقيقة , فإن الحديث عن الحرب , هو في عمقه حديث عن السلام , لأن السلام كما أكد مفهوم التجمع القومي الموحد ليس نقيض الحرب وإنما هو وجهه الآخر , وفهم ظاهرة الحرب ذاتها , هو الذي ينجب فهما أصح وأدق للسلام , فما تزال حكمة يوليوس قيصر , تتنفس حياة :



" إذا اردت السلام حقا , فأعد عدة الحرب ". 


 


News
Opinion
Press
Strategy
Archive
Video

Poll

United National Group - Unitedng.com

Reports Documents Membership Interviews Statement Ideology Home