الفصل الرابع ,
مفهوم القومية في فكر التجمع القومي الموحد
يشكل مفهوم القومية سواء بدلالته المعرفية العامة , أو حدوده الثقافية الخاصة , قلب القلب في بنية مفاهيم التجمع القومي ولكن ليس بمعني القلب المركزي ، الذي يضطلع بوظيفة ضخ الدم الطازج في شرايين وخلايا البنية الكلية لهذه المفاهيم , ذلك أنه ليس ثمة قلب بالمعني الوظيفي أو الفسيولوجي , في هذه البنية يتوفر على هذه المهمة , أو تتوفر له وحده القدرة علي الري والإخصاب , وبث روح الحياة فيها , والإبقاء على نضارتها وتجددها , فهذه كلها وظائف مشتركة , لا تقتصر على عضو واحد ، أو مفهوم واحد .
كما أنه ليس _ أيضا _ بمعني القلب الجغرافي، الذي يحتل بواطن المركز ويحتكر المركزية المسيطرة , بينما تشكل غيره من المفاهيم , مواطن التخوم والأطراف , فليس ثمة مركزية طاغية في البنية الكلية لهذه المفاهيم , تحتكر لنفسها السلطة والسطوة , وتحول غيرها إلي مجرد هامش تابع , يتلقى فرضيات مسبقة التجهيز تتنزل عليه منها , ذلك إننا نتحدث عن تفاعل فكري , لا مجرد فعل فكري ، يشكله منتوج مفهوم واحد , يقوم بتغذية ما دونه رتبة أو درجة , أي عن نسق فكري , تتكامل وتتوازن , وتتفاعل , وحداته ومفرداته , لتشكل سبيكة فكرية مكتنزة ومندمجة , تشارك جميع مفرداتها ومفاهيمها ، في صنع منتوجها الفكري النهائي ، دون رتب أو درجات .
ولهذا فإننا عندما نخلع وصف قلب القلب على مفهوم القومية في مقولات التجمع القومي الموحد , إنما نقصد ما لحق بالمفهوم ذاته , من إعادة بناء كاملة , أخرجته من قسماته التقليدية القديمة ، التى حولته أحياناً إلي معني رمزي مجرد , أو أسطوري خالص , أو غيبي معلّق , أو دمجت فيه بين أبعاد الرمز والأسطورة والغيب , بحيث غدا المفهوم , إنسانيا وحضاريا , وواقعيا ، دون أن يفقد خصوصيته التاريخية , وهو ما هّيأ له أن يؤدي فوق النهر الفكري الواسع , الذي يشكل الرؤية الفكرية الجارية , دور القنطرة القادرة على ضبط المناسيب , وحفظ التوازنات , وصيانة المعايير .
وقد يكون من المهم مع ذلك التأكيد علي أن إعادة بناء المفهوم , لم تكن من قبيل ما يطلق عليه ، عمليات التجديد أو التحديث , أو إعادة الهيكلة بالإضافة و الحذف , وإنما بتنقية الثمرة الحقيقية للمفهوم , من الزوائد الفاسدة والأوراق الجافة , التي أخفت جوهرها المصقول , وطمست على روحها الحية , وردها إلي تربتها الحضارية , التي أنبتتها وشكلتها وأمدتها بكل عناصر الحياة و التجدد .
إن إجلاء ذلك يحتاج إلي التوقف أمام ثلاثة مسائل أساسية، أولها يرتبط بخصوصية اللغة العربية , وثانيها يتعلق بنظرية الوعي القومي , وثالثها يرتبط بالحقل السياسي والفكري الذي رمي بظلال رؤيته علي ، عبر عدة أحقاب متصلة :
أولا : إن الاشتقاق في اللغة العربية ليس استخراج حروف كلمة من غيرها , أي أنه ليس اشتقاقا بالحروف , ولكنه اشتقاق بالمعني , يعود بالكلمة إلي أصلها , ووظيفتها التي خلقت من أجلها .
لقد اشتقت _ مثلا _ كلمة الحكومة في اللغة العربية من الحكمة , أي أن اشتقاقها جاء بالمعني لا باللفظ , وهو معني يكاد أن يكون غائبا عن دلالة الكلمة في غيرها من اللغات , فالحكومة في سياق اللغة العربية , وحدها ليست مرادفاً للتحكم والسطوة , , وإنما هي مرادف للحكمة ، ففي وظيفتها التدبير والتفكير والعدل والتوازن والحساب , واشتقت _ مثلا _ كلمة الحضارة , من أصل لغوي يؤكد القصد ذاته , ويمنحها في الوقت نفسه خصوصية متفردة , بها عن غيرها من اللغات, فالمفردة الإنجليزية التي تم مطابقتها مع تعبير الحضارة العربي , لا تعني سوي " المدنية " وهو أيضا , ما ينطبق علي غيرها من المفردات المستخدمة في لغات حية أخرى , لمطابقة أو مقاربة التعبير العربي ذاته .
فتعبير " الحضارة " , المتفرد في اللغة العربية ، مشتق من الحضور والحاضر , والحاضرة , والحضرة , إنما تعني لغوياً , النزول والإقامة علي ماء جار لا ينقطع ، سواء أكان الحضور في الريف أو المدينة , أي لا علاقة للكلمة إذن بالمدنية , وإنما علاقتها مباشرة , بالحضور , والإقامة عند شريان الحياة لدي العربي , الذي يتمم الحضور , ويكسبه الاستمرار والاستقرار والفعل , وعمارة الأرض , وبالتالي فأن الكلمة لا تتضمن موروثاً منقطعاً , غائباً , مدوناً أو مسجلاً , وإنما موروث حيّ , يجري في الواقع , كما يجري مع كريات الدم , تتنفسه الروح رؤية وفعلاً , ووظيفة , إضافة إلي ما يتضمنه الأصل اللغوي للكلمة من فروع أخري , كالجلد و الممارسة , والتواصل .
ثانياً : من المسلم به أنه ليس ثمة نظرية تعكس صورة الوعي القومي العربي , رغم أن أغلب الفلسفات الغربية , عمدت إلي أن تعكس أهم خصائص الوعي القومي لشعوبها , فالتجريبية _ مثلا _ تشكل أهم خصائص الوعي القومي البريطاني , والمثالية _ مثلا _ تشكل أهم خصائص الوعي القومي الألماني , فما هي أهم خصائص الوعي القومي العربي , التي يمكن الارتكاز عليها , لبناء هيكل نظرية تعكس أهم خصائص الوعي القومي العربي . ؟
ألا يعني ذلك أن المعرفة البشرية ليست متطابقة في كل مكان وزمان , عكس ما يقول به أغلب الباحثين في الدراسات الإنسانية , وأن طبيعة الوعي الذي يعكسه الفكر ذاته , إنما لا يمكن فصله عن خصوصية التجربة التاريخية , بما في ذلك البيئة الطبيعية ذاتها , بل هل يمكن فصل مناهج الرؤية و التفكير التي يستخدمها شعب من الشعوب في المعرفة , عن طبيعة الوعي الذاتي لهذا الشعب , وخصائص هذا الوعي , أي بمعني آخر , عن ذاكرته التاريخية .
هل يمكن فصل الرؤية عن الموقع , والموضع , والموقف ,, ؟
لقد ظل الغرب على امتداد أحقاب طويلة يفسر تخلف الصين , بضمور النزعة الفردية , وتضخم النزعة الجماعية , لكنه عاد مؤخراً , مع الصعود الكبير للصين ، إلي التفسير القديم ذاته , غياب الفردية , وسطوة الجماعية , معتمداً إياه أساساً للإحاطة بالحالة الصينية الجديدة .
وإذا كان البعض قد أرجع _ مثلا _ تفوق الإغريق إلي تفوق موقعهم البحري , وأن رغبتهم في المعرفة , كانت جزءاً من حس جماعيّ تولد عن موقفهم الچيو إستراتيچي عند مفترق طرق دولية حاكمة , فهل يمكن فصل رؤيتنا عن وعينا , وفصل الأخير عن موقعنا الذي يشكل القلب الإستراتيچي للعالم القديم ، المعاصر علي السواء .
لقد ركز الغرب في معالجته الفكرية للحالة الصينية , علي الفردية , و الجماعية حضوراً وغياباً , فلماذا لم يبحث في صورة التراث الروحي أو الوعي القومي الصيني , الذي لم يستطع ماوتسي تونج نفسه أن يتجاهله , عندما وضع الماركسية علي قاعدة الكونفشوسية ألا يمكن أن يكون مرد ذلك نفسه , إلي طبيعة الوعي القومي الغربي , الذي يشترك رغم تعدده في عنصر حاكم واحد , هو فصل الذات عن الموضوع ، وتقديم الأولي علي الثاني , فالأولوية للذات في كل المدارس الفلسفية الغربية .
لقد عرف (إنجلز ) الغريزة , بأنها "ذاكرة النوع " , فهل يمكن أن تعرف الوعي القومي , لأمة أو لشعب , بأنها ذاكرة النوع القومي , وعند ذلك نستطيع أن نري الفروق الجلية , بين منطق التفكير هنا وهناك , والذي تشكل أهم محدداته الذاكرة التاريخية بغير شك , بمعني أخر , إن التركيز الغربي علي الفرد , يعكس منطق التفكير الذي حددته الذاكرة التاريخية , التعامل مع الجزئي خارج إطاره , التركيز علي المفردات لا علي السياق , ردّ القوانين إلي الذات لا إلي الموضوع , وكلها خواص يبدو إنها بغير مرتكزات واضحة في الوعي القومي العربي , ذات يوم كتب تلميذ صيني إلي أستاذه الباحث البريطاني , يقول بالحرف الواحد : إن الفرق بيني وبينك أنني أري العالم دائرة وأنت تراه خطأً مستقيماً , إنه دون شك جانب آخر في صورة الوعي القومي .
ثالثاً : لقد كان عصفور " كانت " يتمني أن يكون الفضاء , خالياً من الهواء , كي يستطيع أن يحلق بيسر أكبر , ولمسافات أطول وأعلي , بجناحيه الصغيرين , فهو لم يدرك أن الهواء ذاته , هو الذي يمنحه القدرة علي التحليق , وإن انتفاءه يعني فقدانه هذه القدرة , ولعل شأن هذا العصفور كشأن بعض الذين يرتدون مسوح التفكير عربياً , الآن , والذين يتمنون أن يكون الفضاء الوطني و القومي , خاليا من هواء الموروث و التراث , لكي يتمكنوا من التحليق علي شاكلة الآخر , أما البعض الآخر , فلم يستطع أن يعرف هذا الهواء , إلا بمنطق النفي , أو الاستبعاد , وهو سلاح فكري مستنفد , لم يعد معتمداً كأحد طرائق البحث أو التفكير , بحكم انتسابه إلي المقدمات الأولي للمنطق الصوري , فوفقاً لهذا المنطق تستطيع أن تصف الحصان , بأنه ليس حماراً , وليس حملاً , وليس بقرة , وليس فيلاً ... إلخ , وهو توصيف لا يعطي شكل الحصان فضلاً عن أن يقدم صورة تشريحية لخصائصه ومكوناته , ولقد عاني مفهوم " القومية " عربياً من التعامل بمنطق الاستبعاد , وسلاحه الفكري المثلوم , كما عاني من محاولات مشهودة لتأسيس الجوهر القومي , بمنهج النفي , فأول بيان لقيام حزب قومي عربي , أحاط بهذا الجوهر علي أنه : " ليس الشيوعية المادية , وليس الرجعية ممثلة التاريخ الميت " .. إلخ .
لقد كتب باحث غربي هو توماس جولد شتين ( في كتابه المقدمات التاريخية للعلم الحديث ) يقول : " أن العنصر الأكثر حيوية في تطور العالم الإسلامي , كان هو هذا الطابع الكونيّ للثقافة التي خلفها العرب , فالحضارة بامتدادها في اتساع العالم القديم من نهر الناهنج إلي المحيط الأطلنطي , وحدت داخل مجالها التقاليد الثقافية للهند وبلاد فارس , ومابين النهرين ومصر وأجزاء من بيزنطة , ومن الميراث الإغريقي الروماني الذي طورته الإمبراطورية الرومانية في غرب البحر المتوسط , وأثبت العرب أنهم أساتذة في نسج كل هذه الخيوط المختلفة , في نسيج ثقافي واحد , وتماسكت الحضارة الجديدة بواسطة لغتهم المشتركة , وإيمانهم المشترك , وطريقة حياتهم المشتركة , لكنها كانت عامة بما يكفي في ذروتها لتحمل كل هذه التنويعات الأصيلة , وقد احتفظت كل المدن من الهند عبر كل الشرق الأدنى وشمال أفريقيا إلي ساحل البرتغال , بتلك الثقافة المتنوعة العناصر حتى يومنا هذا , وضمن هذا القوس الهائل , كانت الموروثات العلمية لكل الحضارات القديمة تقريبا تندمج في عالم الإسلام " .
وكأن العقل العربي , في عملية بناء الحضارة العربية الإسلامية , ظل حاضراً وواقفاً , علي كل مياه فكرية جارية , بمنطق الري والتفاعل والبلورة والاستخلاص , ومن ثم الدمج الطبيعي , التلقائي , في قماش حضاري وفكري واحد , تندمج خيوطه خيطأً خيطاً , إثر خيط , ولكنها تتمايز في وحدتها , بقدر ما تتجاوز خصوصيتها , يضاف إلي ذلك ما يبدو ظاهرة بالغة الأهمية تنفي منطق الوصف بالاستبعاد والنفي , وهي أن الثقافة العربية الإسلامية , وبالتالي صورة الوعي القومي العربي , تطورت تطوراً شاملاً كجسم واحد , وهو ما أفرز سياجاً من الاستقلالية , والخصوصية الشاملة , أحاط بها طوال الوقت , وإن لم تتوقف محاولات هدمه المحمومة , تارة بالسلاح وتارة بالاختراق , وغالباً بهما معاً .
لا يمكن _ إذن – استيعاب مفهوم القومية , وتتبع عملية بنائه , عبر مقولات التجمع القومي الموحد . دون إدراكها علي نحو بنائي , ونقدي , وشامل , باعتبارها صورة لوعي قومي يعي ذاته , إنها ليست الذات وإنما الموضوع , وهي ليست المدرك , أو الإدراك وإنما المدرك في ذاته , وخصوصيته , وجوهره , وكينونته .
تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :
{أولئك الذين يجادلونك في القومية , تخالهم يحدثونك عن سلوك بديل لقوانين الوجود , وظواهر الطبيعة , وأحداث التاريخ , كمتتالية تظهر التطور , وموضوعية المصير القومي , قدراً تخطه الأمة ولا تتخطاه , إيماناً منها بحتمية العلاقة الموضوعية بين الوعي , واللاوعي في دائرة الحياة وصيرورتها} .
" يجادلونك في القومية " , جدالاً ومجادلة , أي مخاصمة وخصاماً , قال الراغب الجدال هو المفاوضة علي سبيل المنازعة و المغالبة ، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله , فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه , وقال غيره : هو التخاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب , ثم استعمل في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها , وهو محمود إذا كان للوقوف علي الحق ,وإلا فمذموم " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " .
أما "القومية " , فإن اشتقاقها , يحيلها إلي أكثر من دلالة , فهل اشتقت من القوم , أي من جماعة من الناس , تضمهم جامعة يقومون عليها , يقول تعالي " لا يسخر قوم من قوم " و " كذب به قومك " , أم أنها أشتقت من المُقام " حسنت مستقراً ومٌقاماً " , أم من المقام " لا مقام لكم " , أي لا موضع لكم , أم من القوام , فقوام الشيء هو نظامه وعماده كما أن القوام هو العدل أيضاً , " وكان بين ذلك قواما " , تقول أقمت الشيء وقومته فقام , بمعني استقام , أي أعتدل واستوي , يقول تعالي " إلا مادمت عليهم قائماً " , أي ملازماً ثابتاً لا تبرح , و" أمة قائمة " أي ثابتة متمسكة بنهجها وعقيدتها , و " الدين القيم " , أي المستقيم الذي لا زيغ فيه , ويقول : " إذا قاموا فقالوا " وإنها لبسبيل مقيم" أي واضح , جليّ , بيّن , و " يقيمون الصلاة " أي يديمونها ويتواصلون معها , " ولا ترثوا السفهاء أموالكم التي جعلها الله لكم قياماً" , ومنها القوْمة , أي النهوض , والنهضة , فالقومية في اشتقاقها الأصيل , اقرب إلي القوام لا إلي القوم , أي إلي النظام والعماد والاعتدال والاستواء والعدل , تضم معاني , الاستمرار و الديمومة , والثبات , والوضوح , والاستقرار , والنهوض .
تضيف المقولة : " تخالهم يحدثونك عن سلوك بديل لقوانين الوجود , وظواهر الطبيعة " , الوجود نقيض العدم , أوجد الشيء وجوداً , أي أنشاه من غير سبق مثال , أوجده من العدم فهو موجود , وكلمة الوجود في اشتقاقها تتضمن معني السعة " اسكنوهم حيث سكنتم من وٌجْدِكم " , كما تتضمن معني الغني , والعاطفة المشبوبة , والحزن الشفيف , ومن أسماء الله الواجد , أي الغني الذي لا يفتقر فأوجده أي أغناه , و وجد به أي أحبه ، واشتق منه الوجد والوجدان , والموجود في الفلسفة هو الثابت في الذهن وفي الخارج , أو هو ما يتحقق في الواقع المادي , وما ينعكس عنه في الذهن , فهو مزيج من الإنشاء والحضور والفعل والانفعال .
أما ظواهر الطبيعة , فما ظهر منها , يقول تعالي " وذروا ظاهر الإثم وباطنه " , أي أتركوا الإثم ظاهراً وباطناً , جهراً وسراً , وظهر الشيء ظهوراً أي تبين , كما إنها تتضمن معني العلو والغلبة , " فأصبحوا ظاهرين " أي عاليين غالبين , والظاهر من أسماء الله , قال أبن الأثير , هو الذي ظهر فوق كل شيء , وعلا عليه , وقيل عرف بطريق الاستدلال العقلي بما ظهر من آثار أفعاله وأوصافه , تمضي المقولة بعد ذلك لتربط بين قوانين الوجود , وظواهر الطبيعة , وأحداث التاريخ , كمتتالية تظهر التطور , أن الطور هو الحد والهيئة والقدْر , وطوّره أي حوله من طور إلي طور , والتطور _ إذن _ هو التحول من حال إلي حال أو من هيئة إلي هيئة , ولكنه في سياقه , وبما استبقه , يعني التغيير التدريجي الذي يتراكم , فيتحول تغيير كيفي , سواء في بنية الحياة , أو تركيب المجتمع وعلاقاته ونظمه , " وقد خلقكم أطواراً " أي علي حالات شتي، والأخفش يقول طوراً علقة , وطوراً مضغة , أي حالات ومراحل مختلفة تقود إلي بعضها البعض , ولكنها تظهر بتراكمها في هيئة جديدة , أي أنه تغيير كيفي , هيكلي , موضوعي , ولهذا فهي تظهر , تبين وتوضح , موضوعية المصير القومي , قدراً تخطه الأمة ولا تتخطاه , وصار الأمر إلي كذا , يصير صيراً ومصيراً وصيرورة , والمصير في أصله اللغوي هو الموضع الذي تصير إليه المياه , أي أنه المصب , " وإلي إلي الله المصير " العاقبة , أي منتهي الأمر وعاقبته , وأخره , ومنتهاه , وما يؤل إليه , وهذا المصير القومي , هو قدر تخطه الأمة , ولا تتخطاه , ولكن كيف يكون قدراً ومقدراً , بينما تخطه الأمة ؟
القدٌر والقدرْ , والمقدرة , والقدرة , كلها مشتقات تحمل معاني القوة , والطاقة والفاعلية , فضلاً عن التهيئة والاستعداد والتمهل والتسوية , وهي تعني القضاء والحكم , " إنا أنزلناه في ليلة القدر" أي ليلة الحكم , وليلة القسم _ وهي تعني _ مبلغ الشيء وعظمته , " وما قدروا الله حق قدره " , ما عظموه حق عظمته وما أدكوا كنهه , وهي _ أيضا _ الطاقة , " وعلي الموسع قدره وعلي المقتر قدره " , والتقدير الجعل والصنع , ومنه قوله : " قدّره منازل " , " وقدر فيها أقواتها " , كما أنه العلم والحكم , " والله يقدر الليل والنهار " , " والذي قدّر فهدي " , أي أعطي كل شيء صلاحه وخلاصه , والقدير بين أسماء الله , وفي البصائر هو الفاعل لما يشاء علي قدر ما تقتضي الحكمة .
أما كلمة تخط , فمعناها المباشر , تكتب , ولكن خط تعني أولاً , الحفر والشق , فخطط البلاد أي جعل لها خطوطاً وحدوداً , والخط هو الطريق المستطيل , أي ما يقبل القسمة طولاً لا عرضاً , والخط البياني هو دالة الارتباط بين متغيرين , تقول خطوط برية أي شبكة مواصلات , وخطط المكان , أي قسمه للعمارة , والخٌطة بالتالي هي تنظيم الحياة العامة , حيث اشتقت من الخط , شأنها شأن الخِِِِِطة , والخٌطة , وتعني الحفر والشق , والتقسيم والعمارة , والحدود , كما تعني التفكير والتدبير والحساب , وكل ما يدخل بالتالي في عمارة الأرض الإنسانية , ما الذي تنطق به المقولة بعد ذلك , أي بعد ردّ مفرداتها إلي أصولها اللغوية العربية مبني ومعني . ؟
إنها ترد عن القومية تلك الرؤية السطحية الشكلية التي تجادل في حقيقتها , ووجودها , وموضوعيتها , وبالتالي تخرجها من منبتها الحقيقي , وسياقها الموضوعي , فهي تعزل القومية عن قوانين الوجود وعن ظواهر الطبيعة , وعن أحداث التاريخ , مع أنها وثيقة الصلة نشأة واكتمالاً وتطوراً , بهم جميعاً , بل هي كقوانين الوجود , موجودة وإن لم تكن محسوسة , فاعلة وإن لم تكن ملموسة , تفرض قانونها الخاص , باعتباره فرعاً من قانون الوجود العام , سواء أكان تأثيره مدركاً أو غير مدرك .
ثم أن قوانين الوجود قديمة قدم الوجود ذاته , وهي ليست اختراعاً ولا تأليفاً , ولا إضافة , إنها مجرد اكتشاف وإدراك , ولهذا هي فاعلة طول الوقت , مؤثرة في كل مكان وزمان , سابقة علي إدراكها , باقية معه وبعده , لكن اكتشافها عمل عظيم من أعمال العقل والمعرفة الإنسانية , شأن ذلك _ مثلاً _ شأن قانون الجاذبية الأرضية , الذي بدأ فاعلاً ومؤثراً , منذ بدأ الوجود حقيقة وواقعاً , وقع الإنسان تحت تأثيره , ولم يستطع الخروج عن حده وحكمه وقانونه , حتى اهتدي إلي اكتشافه , فسخره لخدمته , فلولا اكتشافه إياه , ما أمكنه أن يخترق الأجواء , وأن يسبح في الفضاء , ولكن الاكتشاف ليس الاختراع , الاكتشاف هو التوصل إلي الإحاطة بما هو موجود في الحقيقة , والاختراع هو استثمار الاكتشاف , في تطويع القانون , لا تجاهله أو إنكاره .
والذين يجادلون في القومية _ إذن _ إنما يتجاهلون قوانين الوجود , لكن تجاهلهم لها لا يعفيهم من الوقوع تحت سطوتها , لأن قوانين الوجود قائمة وفاعلة سواء تم إدراكها أم لم يتم , وسواء تم الاعتراف بها , أو تم جحدها وإنكارها , ثم أنها قائمة ومستمرة , وحاضرة , ما ظل الوجود قائماً ومستمراً وحاضراً , وكما ينكرون ويجحدون قوانين الوجود , ينكرون ويجحدون ظواهر الطبيعة , ولكن الفرق بين القانون والظاهرة الطبيعية , أن الثانية وجه من وجوه التعبير عن الأول , ولكنها لا تشكل قانوناً في حد ذاتها , شأنها شأن المطر , الذي هو ظاهرة طبيعية , تشكل وجهاً من وجوه التعبير عن قانون دورة المياه في الطبيعة , وإذا كان القانون يحتاج إلي إدراك واكتشاف , فإن ظواهر الطبيعة , مدركة بذاتها , لأنها كشروق الشمس وغروبها ، وكالمد والجذر ، تقتحم الحواس بفعلها المرئي والملموس , والمحسوس , وتنقل نفسها بنفسها إلي الناس , لا مجرد أثر يتحسسونه فيحسوه , أو دالة يتتبعوها فتدلهم عليها , فإنكار قوانين الطبيعة جحود في العقل , ولكن إنكار ظواهر الطبيعة موت في الحواس .
وأولئك الذين يتمتعون بجحود في العقل وموت في الحواس , لا بد وأنهم لا يرون حوادث التاريخ , التي شأنها شأن قوانين الوجود , وظواهر الطبيعة , بعضها مدرك بذاته كالظواهر , والتي هي بدورها وجوه لما هو غير مدرك بذاته , أي قوانين التاريخ , الذي لا يخبط خبط عشواء , ولا يسير بغير هدي , فالتاريخ له ظاهر وباطن , ظواهر , وقوانين , وهذه الحقول الثلاثة , حقل الوجود وقوانينه , والطبيعة وظواهرها , والتاريخ وأحداثه , متفاعلة ومتتالية , وهي في تفاعلها وتتاليها , تتيح للتطور أن يظهر إلي حيز الوجود , أي تتيح لمراحل التحول الكيفي , أن تعبر عن نفسها في أطوار جديدة , وصيغ جديدة , ونقلات جديدة , كما إنها في تفاعلها وتتاليها تتيح رؤية المصير القومي , في هذا السياق , قائماً بذاته , يتوجه نحو مصبه الحتمي , تحفر الأمة مجراه العميق , كأنه النهر الجارف , حيث لا يستطيع أحد أن يخرج علي حدوده , لأن حدوده ذاتها , إنما يؤطرها الإيمان بحتمية العلاقة بين الوعي واللا وعي , في دائرة الحياة وصيرورتها , لأن هذه العلاقة ذاتها في تفاعلها , داخل مفردات هذه الصورة المركبة , وفي إطارها , هي التي تتيح لطور جديد من الوعي أن يظهر إلي حيز الوجود , أو أن يصعد إلي مستوي أرفع و أعلي , تسترد به الأمة مزيداً من القدرة , علي أن تخط مصيرها , دون أن تتخطاه .
تبدو القومية _ إذن _ بين مفردات هذه الصورة المركبة , وفي إطارها , أغني من أن تكون مجرد اشتقاق من القوم , وكأنها تشكل نسيجاً مكتملاً من مفردات عدة , من بينها القومية , أي النهضة , ومن بينها المقامة أي الموقع , أو الجغرافيا , إنها القومية القائمة , أي الملازمة الثابتة علي جوهرها الأصيل , القيمّة , أي المستقيمة التي لا زيغ فيها , وهي القوام , أي النظام والعماد والعدل , ولهذا يبدو طبيعيا , أن تخط مصيرها , قدراً , من القدْر والمقدرة , والقدرة , والفاعلية , فضلاً عن التهيئة والتمهل , هي حيث تخرج مفردة القدر , أو قدراً , من حدودها المباشر , إلي مفهوم آخر أقرب إلي ما تفرضه الحاجة القومية , أو ما يمثل استجابة واعية وقادرة , للضرورات القومية , غير أن هذه المقدمة لمفهوم القومية يتجاوز بها ركاماً من الفكر القومي , الذي فسر القومية , تفسيرا ضيقاً , ووصفها كأنها قوة مستقلة عن قوانين الوجود وظواهر الطبيعة , وأحداث التاريخ , بل أن التفسير الأولي الذي شاع في بواكير هذا الفكر حول القومية ذاتها إلي قوة لا تتمتع باستقلالها عن الواقع الموضوعي , وعن التاريخ معاً , ولكنه وضعها رتبة وتأثيراً في موقع علوي , فوق الواقع وفوق التاريخ .
ولذلك تبدو الأمة في بواكير هذا الفكر ( عند ساطع الحصري مثلاً ) كيان روحي يقف فوق الأديان والطوائف والأعراف والتاريخ , فقد تم إقصاء النزعة الوطنية المحلية عنها , وكأن الثانية لابد وأن تتلاشي وتذوب في الأولي , دون أن تترك أثراً أو تخلف لوناً , أو كأن وجود الثانية ينكر الأولي ويضعفها ويعيش علي حسابها , مثلما تم نزع النزعة الثقافية والدينية عن القومية , فارتدت إلي طور عرقي , لا يرتكز علي عقل ولا علي وجدان , لتصبح كائناً مستقلاً يعيش حالة فصام كامل مع الواقع .
كما تبدو عند مفكرين قوميين آخرين ( عفلق مثلا ) وقد أخذت منحي نتشاوياّ ( نسبة إلي الفيلسوف الألماني نيتشه ) خالصاً , فقد تم إعلان إرادتها , وتحويلها إلي قوة فوقية , مجردة , وظاهرة مغلقة , تمتلك محدداتها في ذاتها , ولم تخلو صياغات أخري ,لمفهوم القومية والأمة ، من سيادة صياغات صوفية تجريدية ، كما لم تخلو محاولات أخري من إشاعة منهج مأزوم , وضيق , سبقت الإشارة إليه , وهو منهج تأسيس الهوية القومية , بالنفي أو الاستبعاد أو المخالفة .
لم يكن مفهوم القومية قائماً في حقل السياسة العربية , خلال القرن التاسع عشر , باستثناء بعض من عقوده ، ولقد تأسس المفهوم غربياً , أي القومية العربية , بمعناها المحدد , في كتابات ( الكواكبي ) , وإذا لم تكن القومية العربية , تتحمل بوصفها حقيقة موضوعية , أن ينسبب تأليفها لمفكر أو سياسي , فالأحري أن تقول أن الكواكبي هو الذي أعاد اكتشاف هذه القومية , واعتبرها طاقة المواجهة الحقيقية , أمام الاستعمار العثماني , الذي لم يكن أكثر من احتلال أجنبي , تحت واجهة دينية زائفة , ولقد عالج الكواكبي في كتابيه " أم القرى " و " طبائع الاستبداد " , قضية وحدة العرب , علي قاعدة وطنية , منبها إلي أن الاستبداد الديني هو أحد وجوه الاستبداد السياسي , ومشدداً علي البعد العربي في مواجهة أشكال هذا الاستبداد , ورغم تركيزه علي الخلافة , باعتبارها المفهوم السائد للحق السياسي , فقد وضع الخلافة على قاعدتين: الأولي قومية عربية , والثانية ديموقراطية انتخابية , بينما وضع مفهوم الخلافة ذاته , في إطار سلطة روحية , لا زمنية , أي نزع عنها وظيفتها السياسية , رغم أن الأمة التي تناولها الكواكبي لم تكن تضم عندها , إلا مصر و الهلال الخصيب , وأرض الحجاز .
ثم خطى الإدراك القومي , في الحقل السياسي والفكري , قبل أن ينصرم القرن التاسع عشر , خطوة نوعية تالية علي يد الأفغاني ,فقد كان إدراك الأفغاني ، ونزوعه القومي , يمثل منتوجاً مباشراً , لمناهضة الظاهرة الاستعمارية ، بل أن باحثة أمريكية ( هي ن . كيدي ) أصدرت كتاباً عن الأفغاني , يفجر عنوانه قنبلة ضوئية تكشف عمق التوجه , وأساسه , وهو " رد إسلامي علي الإمبريالية " , فقد كان إبداع الأفغاني , ونجاح مقصده , يتركز في خلق تلك المؤاخاة الصحيحة بين القومية العربية وبين الهوية الإسلامية , بعد أن وٌضعا في موضع مواجهة واحتراب , فقد أنتج قماشا فكريا جديداً نسج خيوطه من القومية العربية , ومن الحضارة والعقيدة الإسلامية , معتبراً إياهما رابطتين أساسيتين حيث " لا سعادة للمرء إلا في جنسه ( قوميته ) وقومه ولا وجود لهذه الأخيرة , بغير اللغة ، وحيث لا سند للإنسان إلا بعقله ، لإيضاح كل ما هو خفي , أو مخبأ في أسرار الطبيعة , ويكشف بالعلم وانطلاقة العقل , كل ما أدركه في مخيلته , ويحقق لكل ما يظهر له , مستحيل التحقيق " .
وفي المواجهة الفكرية بين الأفغاني , والفيلسوف الغربي , ( ارنست رينان ) في جامعة السوربون , بعد عام واحد من الاحتلال البريطاني لمصر ( 1883 ) , ما يكشف عن طبيعة هذا النسيج الفكري المكتمل الذي أنتجه الأفغاني , لقد أتهم رينان العرب بأنهم مجرد ناقلين للفكر اليوناني , وتهجم علي العقلية العربية , قائلاً :" ماذا كان لهذا العلم المسمي من الصفة العربية ؟ اللغة ولا شيء غير اللغة " , ورد الأفغاني : " إن الشعب العربي ( هذا نصه ) , شهد تطوراً ثقافياً وعلمياً بسرعة مدهشة لا تضاهيها إلا فتوحاته السياسية , وتمكن في فترة قصيرة من الزمن من التكيف مع العلوم اليونانية والفارسية , وبدا العرب يطورون الإرث العلمي والثقافي الذي خلفته الأمم الأخرى في روما وبيزنطة ورفعوا هذه العلوم المهملة والمتفرقة لدي الشعوب الأخرى وأغنوها بمعرفتهم الخاصة " .
يضيف الأفغاني : " إن الأمة العربية هي عرب قبل كل دين ومذهب ,,,,, إن الحرانيين كانوا عرباً , وإن اللغة العربية كانت إلي ما قبل الإسلام بعدة قرون لغة الحرانيين , وكونهم حافظوا علي ديانتهم القديمة الصابئة , ليس معناها إنهم لم ينتموا إلي الجنسية العربية " , " لا سبيل إلي تمييز أمة عن أخري , إلا بلغتها " , قبل أن يحدد خصائص خمس للقومية , هي عنده " اللغة , الأخلاق , العادات , الإقليم , الدين " , فقد " قضت الحكمة أن تكون الحواس البشرية المعروفة خمساً , وأن يكون للإقليم خمس خواص , بها تميزت الشعوب والقبائل , التي خلقها الله في نفس واحدة " , فالقومية عنده بالتخصيص , كائن حيّ مكتمل , له خواص كل كائن حيّ , يتميز بحواسه الخمس , وهي في الكائن القومي , . لو صح التعبير , تعبر عن أبعاد مكتملة لجغرافيا إنسانية واحدة , جغرافيا الإقليم , وجغرافيا اللسان , وجغرافيا الثقافة , وجغرافيا منظومة القيم , وجغرافيا الروح ..
غير أن هذه القنطرة الفكرية , التي جمعت فوق النهر الفكري العربي , شعبه المختلفة , وضمتها في تيار قوي عاصف واحد , لم تلبث أن أنحلت مكوناتها الأساسية , حيث انقسمت علي نفسها في ثلاث تيارات أو فروع , متوازية , بينها فضاءات مشحونة , بالأشباح والتناقضات والمواجهات , وسوف نتوقف فيما بعد عند حدود هذه التيارات وملامحها , وتحولاتها , وصولاً إلي هذا الجهد الفكري للتجمع القومي الموحد الذي يريد أن يبني قنطرة جديدة , تجمع الفروع , علي قاعدة نقدية , وتعيد الوحدة الفاعلة إلي مجري النهر العريض .
تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :
{ من بوابات الفجر ما نحن , وما كنا إلاّ أمة , قوماً جئنا , وعرباً صرنا , ومن علم أسطوري نتحدر , وفي رسم نظري نتطور , تنطلق في أنساق حيوية ليس فيها مسلمات تخريفية , إلي ميادين التحديات الجدلية , مستشرفين آفاق المجهول , وما نحسه من علوم يقينية , طاقتها طاقة الإيمان كله بالله , وبالقومية في سفر الخلود , ورحلة العدل والسلام والحرية } .
" من بوابات الفجر ما نحن " , الفجر ضوء الصباح , وحمرة الشمس في سواد الليل , وأنفجر الصبح , وتفجر , وأنفجر عنه الليل , والفجر _ أيضاً _ غمرات الدنيا , نقل عن أبي بكر رضي الله عنه قوله : " لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه , خير له من أن يخوض في غمرات الدنيا , يا هادي الطريق , جٌرْت , إنما هو الفجر أو البحر " .
أي إنما هي الرؤية أو العتمة , النور أو الظلام , النجاة أوالهداية , أو الغرق في عباب المجهول , " وما كنا إلاّ أمة " , تتعدد المعاني والوجوه لغوياً في كلمة أمة , ومن بعض معانيها صلة الدم والجنس , " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " , ومنها الحالة والشرعة , " إنا وجدنا آباءنا علي أمة " , والهيئة والشأن , " كان الناس أمة واحدة " , والطريقة والدين " كنتم خير أمة " , والأمة _ أيضا _ القامة والوجه والطاعة والحين " وأدكر بعد أمة " , وتعني المدة , " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلي أمة معدودة " , وفي عمق الدلالة , فأم كل شيء هو أصله وعماده , " حتى يبعث في أمها رسولاً " , أراد أعظمها وأكثرها أهلاً , ومنها أشتق الأمام وهو نقيض الوراء , والإمام , وهو الطريق الرحب الواسع " وإنهما لبإمام مبين " .
" قوماً جئنا " , أي جماعة , والقوم من الاستقامة , والقومة , والقوام , أي النظام والكيان , " لا يسخر قوم من قوم " , أي جماعة من جماعة , " كذبت قوم نوح " , وفيها أيضا معاني العزم والعدل , " وكان بين ذلك قواماً " , والإقامة والمقام , " حسنت مستقراً ومقاماً " , أي موضعاً , قوماً جئنا , كياناً , ويمتلك عزماً , وهيئة , وموقعا ً , أي يمتلك رابطاً جغرافياً , " وعرباً صرنا " , العرب أسم جنس , أعرب الرجل إذ أفصح في الكلام , والتعريب هو التشذيب , تهذيب المنطق من اللحن , وتهذيب رؤوس النخيل من الزوائد , أما الإعراب فهو الإفصاح والإبانة , وأعرب عنه أي تكلم بحجته , والعرب الماء الكثير الصافي , وعُرب لسانه أي صار عربياً , وتعرّب واستعرب , أفصح في بيانه , والمرأة العروب , هي المتحببة العاشقة المظهرة لذلك , " عرباً أتراباً " , والعروبة صفة لمعظم , وفي الروض الآنف معناها الرحمة أيضاً وكان يطلق علي يوم الجمعة يوم العروبة , وقد أختلف في أصل التسمية , فقيل مردها إلي إعراب لسانهم , أي إفصاحه وإيضاحه وبيانه , وقيل لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشأوا بقرية عربة من تهامة , فنسبوا إلي بلدهم , وروي عن النبي الكريم قوله : " خمسة أنبياء من العرب , هم محمد وإسماعيل وشعيب وصالح وهود " , وجميعهم كانوا يسكنون بلاد العرب , وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها , ونطق بلسان أهلها فهم عرب , فالأساس والأصل , وحدة اللسان , فالعروبة بالتالي سابقة علي الإسلام .
" ومن علم أسطوري نتحدر " , العلم هو إدراك الشيء بحقيقته , وهو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع , أو هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض , وهو ليس المعرفة , لأن المعرفة هي حضور ما كان غائباً عن الذكر , ولهذا ضدها الإنكار , ولكن العلم ضده الجهل , وهو يتضمن الإعلام " تعلمونهن مما علمكم الله " , كما يعني العلامة والأثر , " وإنه لعلم للساعة " , وليس ثمة فاصل بين العلم وتطبيقه في العربية , أو بين النظرية العلمية وتطبيقها , فالعلم يعني إدراك الشيء بحقيقته , وتطبيق هذا الإدراك واقعاً , يقول تعالي " وإنه لذو علم لما علمناه " , أي ذي عمل به , فالعمل يتكامل في معني العلم , دون الانفصام بينهما , فلا حدود بين النظرية والتطبيق , فالنظرية هي العلم وهى التطبيق , والتطبيق هو العلم وهو النظرية , ولعلها خصوصية عربية , علي شاكلة التفرد الإسلامي العربي , بوحدة العقل والإيمان .
إذا كان الوصل بين العلم والتطبيق , وبين العقل والإيمان , سمة خصوصية في الفكر العربي الإسلامي , فكيف يمكن الوصل بين العلم والأسطورة , علي حد تعبير المقولة ؟ , إذ كيف نصف العلم بأنه أسطوري , وبأننا نتحدر منه.
المعني هنا , أنه علم في ذاته , علم في حقيقته , ولكنه ليس محل معرفة , أي إحاطة شاملة به , رغم أنه يشبه المعجزات , أي أننا لسنا أبناء الأساطير , ولكننا أبناء العلم والمعرفة , الموغلة في التاريخ الإنساني , منذ لحظة ولادته الأولي , من بوابات فجره , وأشعة شمسه البكر التي انفجرت حمرة في الظلام , ولهذا يبدو هذا العلم في عمقه , وحيوية بقائه , كأنه الأسطورة , منه نتحدر , وقد قال نتحدر , ولم يقل ننحدر , لأننا لم نهبط ولم ننزل , وإنما انطلقنا في أنساق حيوية , وعندما تقول نسقاً , فأنت تتحدث عن بنية خاصة , وعندما تضيف إليها صفة الحيوية , فأنت لا تتحدث عن نسق مغلق , وإنما عن نسق قابل للتفاعل , ولكنه ليس قابلاً للهضم أو التآكل , فهي ذاخرة بمكوناتها , متفاعلة , متكاملة , وليس فيها , مسلمة تخريفية , وفي الصحاح خرف الرجل , فسد عقله من الكبر , وأخرفه الدهر أفسده , وخرفه تخريفاً , نسبه إلي الخرف أي فساد العقل , أما المسلمة فهي تقابل البديهية , التي عليها إجماع عام لا يقبل الإنكار , و لا يحتاج إلي برهان أو دليل , فليس في هذه البنية , الإنسانية الذاخرة بمكوناتها , بديهية فاسدة , أي تدل علي فساد العقل , وبالتالي فساد الإيمان , أو فساد الوجدان .
ننطلق من هذه الأنساق إلي ميادين التحديات الجدلية , وكلمة ننطلق , تعني السرعة كما تعني القوة والعزيمة والمبادرة , أما خلع صفة الجدلية علي التحديات , فهو يمنح الموقف كله معني الصراع , لا الصدام , وهو ليس صراع نفي , أي صراع إرادات , ولكنه صراع أخذ وعطاء , صراع حذف وإضافة , صراع هدم وبناء , وبالتالي فهو صراع صعود , وإنضاج , واكتمال , يمكن بدوره من استشراف أفاق المجهول , أي يمكن من امتلاك رؤية مستقبلية , إن الأفق هو ما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض , ومهب الجهات الأربع , " سنريهم آياتنا في الأفاق , والأفق بعد ذلك مراتب وأعماق , " وهو بالأفق الأعلى " , وأفق الطريق وجهه , وعندما يقال أرفق الرجل , يعني أنه بلغ النهاية في جميع الفضائل , هكذا تتعمق الرؤية حتى تحيط بوجه المجهول , لكنها عند ذلك ستكون مغمورة في يقين , طاقته طاقة الإيمان كله بالله وبالقومية , إن الطاقة هي القدرة والقوة , فطاقة الشيء قدرته وقوته , والطاقة بالتالي هي صورة مادية لقدرة أو قوة , وهي قابلة للتحول من صورة إلي صورة , لكنها غير قابلة للنفاذ أو الفناء , لأن الطاقة لا تنفد ولا تخلق من العدم , ولهذا أضاف إليها " في سفر الخلود " , وكلمة الخلود هنا تعطي الإيمان وطاقته , واليقين وثباته , والاستشراف وأفقه , والقومية وقواعدها , معني آخر مضافاً فوق المعني المباشر للخلود , الذي هو البقاء والدوام , هذا المعني الآخر المضاف هو النضارة والشباب , أي الازدهار والتجدد, أما الإيمان فهو التصديق , والأزهري يقول أن أصل الإيمان الدخول في صدق الأمانة , التي أتمنه الله تعالي عليها , فإن اعتقد التصديق بقلبه , كما صدق بلسانه , فقد أدي الأمانة وهو مؤمن , لأن التصديق بالقلب لا باللسان , وفي حديث ابن عباس " الإيمان أمانة ولا دين لمن لا أمانة له " , ولهذا فإن الإسلام هو ظاهر الإيمان , وهو التسليم به باللسان , يقول تعالي " قالت الأعراب أمنا قل لم تأمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " , والإيمان _ أيضاً _ هو الوفاء وصون العهد " إنهم لا إيمان لهم " , ومع هذا الإيمان الدائم , المتجدد , النضر , يكون التوجه بعد ذلك مقصوداً , ومتواصلاً , ولهذا يأخذ شكل الرحلة صعوداً وهبوطاً , دوراناً والتفافاً , قفزاً وزحفاً , ركضاً ومشياً , ولكنه توجه ثابت القصد والهدف , والرحلة ذات تضاريس مختلفة , ومراحل متباينة , ولكن مقصدها الأخير ثابت لا يتغير ، وهو العدل والسلام والحرية .
أن هناك فصلاً بمبضع العقل بين الثوابت والمتغيرات في نسيج هذه المقولة , فالثوابت علي جانب ، فيها ما هو مادي وما هو معنوي , وما هو مزيج منهما , فاليقين ثابت , وكذلك الأمة , وميادين التحديات ثابتة رغم تغيرها , والطاقة ثابتة رغم تحولها , ورحلة العدل و السلام والحرية ثابتة رغم كل ما يعتري المشروع الحضاري العربي من تقدم أو نكوص , من صعود أو هبوط , من تسارع أو إبطاء , أما المتغيرات , فبعضها في الماضي , كالتحول من قوم إلي عرب , من الارتكاز علي جغرافيا الدم ، وجغرافيا الأرض ، وجغرافيا اللسان , والتحولات التي ترتقي فتصبح طوراً جديداً , والأنساق الحيوية , التي يعتريها التغير والتطور بفعل معاركها المستمرة في ميادين التحديات , واستشراف أفاق المجهول , متغير من مرحلة إلي مرحلة , ومن مستوي إلي مستوي , ومن درجة إلي درجة .
إن التوقف أمام بعض الثوابت والمتغيرات السابقة , قد يكون أكثر فاعلية في استجلاء مقاصدها , التي وظفت من أجلها .
كاليقين _ مثلاً _ فهو لغوياً إزاحة الشك , والعلم وتحقيق الأمر , ويعرفه بعض الفقهاء بأنه اعتقاد أن الشيء كذا , مع اعتقاد ألا يكون إلا كذا مطابقاً للواقع , غير ممكن للزوال، لقد تبدد هذا اليقين في الفلسفة الغربية , تبدد اليقين الديني أولاً , بعد أن تحدت روح التجارة الصاعدة , الاندماج بين الكنيسة والإقطاع , ففصلت الكنيسة عن الأرض , بالفصل بين السلطة الروحية , والسلطة الزمنية , ثم لم تتوقف عن البحث عن يقين، ولما كان التكثيف في العلم ، بحثت عن يقين علمي ، وحين وجدته ، وأمسكت به ، لم يدم طويلا ، فقد تبدد دوره بظهور نظرية الكوانتم ، أو الاحتمالات في الذرة الحديثة ، ولم تجد بديلا عن البحث عن يقين في التاريخ , أو عن يقين تاريخي في الأصح , ووجدت هذا اليقين التاريخي في صلب قوانين التاريخ , التي أنجبت بعد ذلك عددا من الحتميات ، و كان سقوطها المدوي تالياً , ليعلن موت اليقين التاريخي , بعد موت اليقين العلمي , ومن قبله اليقين الديني , كم يبدو الأمر هنا مختلفاً , في نزوعه الفلسفي , وكم يبدو التفاؤل النابع من تحققه طبيعياً , فيما يتم إسباغه علي المستقبل , بينما يبدو التحول في الفلسفة الغربية إلي نزعة عدمية , طبيعياً بدوره .
الأمة هي الأصل , وقد وسع الأصل أن يضبط اشتقاق الفروع , وهي الحق , والحق كما يقول أبن حزم , " حق في نفسه " , وهي جماع العلم عند الشافعي " وإنما تكون الغفلة في الفرقة , فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة " , ومن معانيها عند الغزالي , المقدم والرأس والأول , " إن إبراهيم كان أمة " , إنها العام الذي يمثل اليقين , والكليّ الذي يعرف به الجزئي , " خزانة الحس المشترك قبل العرب وقبل الإسلام , لشعوب هذه المنطقة , فهم أساساً وأصلاً أقارب , انفصلوا جغرافياً , في بيئات مختلفة , من الشام والعراق , ومصر , والمغرب والسودان , إلي الجزيرة العربية , ولكن هجراتهم من بيئة إلي أخري لم تتوقف , وتصاهرهم ثم انصهارهم , ظل فعلاً وتفاعلاً مفتوحاً ومتصلاً عبر فصول التاريخ , ولهذا فالعروبة هي فعل , كما هي أسم , إن إسماعيل أبن إبراهيم من هاجر المصرية هو أبو العرب العدنانيين وهم أبناؤه من زوجة مصرية أيضا , ومن المؤكد أن تعريب الإقليم , سبق الفتح العربي الإسلامي بقرون طويلة , فقد ظل العدنانيون يجوبون صحراء مصر الشرقية كبدو رحل , أما القحطانيون فقد عبروا البحر واستقروا في الوادي , فوطنيات الإقليم كلها , التي أخذت شكل الدولة القومية المستقلة , هي أجزاء من أصل واحد , والمؤكد والثابت _ كما يقول جمال حمدان _ أن أياً من الدول العربية ليست أمة كاملة في ذاتها ومستقلة , وإنما هي شعب من أمة , وشعبة من " أثنيم " واحد هو العالم العربي , فالإقليم الوحيد في العالم العربي هو العالم العربي نفسه , وليس دوله , ووحداته السياسية الراهنة , لأنه وحده الوحدة الكاملة المتجانسة في أسس القومية , وهي اللغة وأخواتها , ولذلك _ كما يضيف حمدان _ رغم الأصل الجنسي القاعدي المشترك في العالم العربي , قبل العرب , تبقي العروبة و التعريب في جوهرها المنشود مضموناً ثقافياً أساساً , وإذا كان لابد من مقياس مدرج للعروبة , فليس جنسياً , ليس كمية الدم العربي , التي أضيفت , ولكن كمية اللسان العربي التي استعيرت , فمقياس العروبة كما هو أساسها هو اللغة لا الجنس , تماماً كما أن مقياس الوطنية هو الإقليم لا الجنس .
رحلة هذه الأمة _ إذن _ هي رحلة العدل والسلام والحرية , إنها ماضيها , وحاضرها , ومستقبلها , إنها رحلة تاريخها المتصل الطويل , أو بمعني آخر , حتميتها التاريخية , وهي ليست حتمية جديدة أو مضافة , أو مكتشفة , مع تراكم رصيدها من التطور والنمو والمعرفة , فقد بدأت معها منذ أن هبطت نهر الحياة , منذ أن بدأت من بوابات الفجر , وكأنها عصفور النار الذي تحدث عنه ( هيجل ) , والذي يغمس أجنحته في الكون فيخلع عليه ضياءه , ووهجه , وبواكير يقظته , والناس نيام , من بوابات الفجر , من مقدمات اليقظة والإيقاظ , نحن الذين بدأنا الرحلة , فأشعلنا مصابيح الكون , والدنيا ما تزال تتهجي حروفها الأولي في أحراش التاريخ , بدأنا قوماً , وصرنا عرباً , وعندما تحولنا إلي عرب , فقد أنهينا رحلة البحث في الذات , لا عن الذات , حيث التأمنا مع أنفسنا , ومع خصوصيتنا , ومع رسالتنا ودورنا , الذي هو نفسه , دور عصفور النار , الذي يشعل أركان الدنيا , كلما أظلمت وادلهمت، وأصبح الظلام كموج البحر , ظلمات بعضها فوق بعض , إذا أخرج يده لم يكد يراها .
تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :
{ ولعل بعض من ألحد بالقومية , وأقام عليها البدعة , وكره أن يجعل لعدوها علّة , وللمناهضين لها ذلة , وأسدل الستار علي خياله , وأبتعد عن التأمل والتدقيق , وإبصار التحليق ليعيش التحولات الكونية , دون تمييز للطبيعي عن غيره , فلا يعي عبقرية الإيمان , وإبداعات الجمال , حيث يقف الجميع من ذات المسافة من أقدارهم في النهوض بالحرية والإخاء والسلام } .
توظف المقولة تعبير الحد في موضعه , فالإلحاد غير الكفر , مع أن كليهما نقيض الإيمان , كما أن الإسلام , ليس نقيض الإيمان , مع أن كليهما نقيض الإلحاد والكفر معاً , " قالت الأعراب أمنا , قل لم تأمنوا ولكن قولوا أسلمنا , ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " , فالإسلام هو ظاهر الإيمان , أي أن الإسلام هو ظاهر فقط ليس له باطن , والكفر كذلك قد يكون ظاهراً فقط , وقد يكون القلب مع ذلك عامر بالإيمان , " من كفر بالله بعد إيمانه , إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " .
الإلحاد وحده _ إذن _ هو الظاهر والباطن ، إنه إعلان ظاهر بالقول أو الفعل , وهو في الوقت نفسه , تعبير عما أستقر في القلب و العقل , ولهذا فإن توظيف مفردة الإلحاد بالقومية , يطول أولئك الذين خرجوا علي عقيدة الأمة , ولم يخرجوا عليها لفظاًَ أو قولاً , وإنما فعلاً وتأثيراً , ومحاربة واحتراباً , فالإلحاد ليس ارتداداً عن الإيمان , أو عن الإسلام , أو عن العقيدة فحسب , ولكنه منازعة معها , ومناهضة لها , أنه خروج قاطع الطريق , لا عابر السبيل , ثم تلعب بعد ذلك بقية معاني مفردة الإلحاد , دوراً في تغذية المعني , وتوسيع دلالاته , فألحد الشيء أي أقبره , وألحد به أي أشرك وظلم وترك القصد فيما أمر به , ولا حد فلاناً أعوج عليه , وألحد مال , وفي الحديث الشريف عن عمر رضي الله عنه , " احتكار الطعام في الحرم ألحاد فيه ", أي شرك به , فأصل الإلحاد الميل والعدول ، وهو راجع إلي معني الظلم , وقد قال الفراء في قوله تعالي " ولن أجد من دونه ملتحداً , إلا بلاغاً من الله ورسالته " , أي ملجأ , " وأقام عليها البدعة " , البدع _ بالكسر _ الأمر المستحدث , الذي يكون أولاً , " قل ما كنت بدعاً من الرسل " أي ما كنت أول من أرسل , وهي الحدث في الدين , ومنه الحديث الشريف : " إياكم ومحدثات الأمور , فإن كل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة " , والبدعة تستخدم عرفاً في الذم , " ورهبانية ابتدعوها " , والمعني أقام عليها , أي ألحق بها , أوصافاً وخصالاً مبتدعة مستحدثة ليست فيها , ولا تنتسب إليها .
وكره أن يجعل لعدوها علة , وللمناهضين لها ذلة , والعلة في معناها اللغوي , ما يحل بالمحل فيتغير بها حاله , ومنه سمي ّ المرض علة , لأنه بحلوله يتغير الحال من القوة إلي الضعف , وعلّ الرجل يعل فهو عليل , وهي أيضا كما في الصحاح و المحكم ، الحدث يشغل صاحبه عن وجهه , وعن حاجته , أما الذلة فمن الذل , وهو الهوان .
وذل يذل فهو ذليل " لم يكن له ولي من الذل " , أي لم يتخذ ولياً يعاونه ويحالفه لذلة به , والذل ما كان عن قهر , " سينالهم غضب من ربهم وذلة " , وذل الطريق ما وطيء منه .
فهذا الذي خرج علي القومية كافراً بها , محارباً لها , قاطعاً طريقها , أختلق أوصافاً وصفات مستحدثة ضارة وسيئة , وألحقها بها , ووقف في صف أعدائها والمناهضين لها ، ومنحهم خفقات قلبه , حتى لقد كره أن يعترف بالمرض اللعين والقصد الخفي الماكر , لهؤلاء الأعداء , وبهوان وقهر أولئك المناهضين لها , المعاونين لهم . ذلك أنه " أسدل الستار على خياله , وأبتعد عن التأمل والتدقيق وأبصار التخليق , ليعيش التحولات الكونية , دون تمييز للطبيعي عن غيره " .
الخيال هو ما تشبه في الحلم واليقظة , وفي الهداية كل شيء يري كالظل , وأصله الصورة المجردة , ثم أستعمل في صورة كل أمر متصور , وفي كل دقيق يجري مجري الخيال , وهو خزانة الحس المشترك , أو ما يدركه الحس من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة , والمعني هنا انفصال الحواس عن العقل , وانفصال المحسوس عن الحس , كقوله تعالي " لهم آذان لا يسمعون بها " , أما التأمل فهو التدبر , وهو إعادة النظر مرة بعد أخري , يكمله التدقيق , فالدقيق هو الأمر الغامض الخفي عن العيون , ودقق تدقيقاً أي أنعم الدق , وهو الأصل في اللغة , ثم نقل إلي معني أخر وهو إثبات المسألة بدليل دق طريقه إلي ناظريه , ومداق الأمور غوامضها , ولهذا أبتعد عن إبصار التخليق , فالإبصار والبصر . نفاذ في القلب , " فارجع البصر هل تري من فتور " , إنه قوة القلب المدركة " وما زاغ البصر وما طغي " , " بصرت بما لم يبصروا به " , ولذلك فالبصيرة هي الحجة والدرع وعقيدة القلب , والمعرفة والتحقق " أدعوا إلي الله علي بصيرة " , وهي تعني الحجة " ولقد أتينا موسي الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولي بصائر للناس " , كما تعني الشهادة والتمييز " بل الإنسان علي نفسه بصيرة " .
أما التخليق فهو غير الخلق وغير الخُلق , فالأخير هو ما خلق عليه من الطبع والسلوك " كان خلقه القرآن " , والخلق هو إنشاء جديد , علي غير صورة أو مثال سابق , أما التخليق , فهو التطوير والتحسين والتجميل , فخلقه تخليقاً أي طيبه وجمله , وتخلق أي تكلف , " مخلقة وغير مخلقة " أي مكتملة وغير مكتملة , التخليق إذن ليس إنشاءاً جديداً , وإنما هو تسوية وتحسين وتطوير وتجميل وتأليف , وتركيب لما هو منشأ بالفعل , ولهذا يجيء عدم إبصار التخليق تالياً علي فصل الإدراك عن الحواس , أو عتمة الخيال , وعلي غيبة التأمل , ثم غياب التدقيق , وهكذا فإنه " يعيش التحولات الكونية دون تمييز للطبيعي عن غيره " , أما التحولات فهي من الحوْل , أي الحركة , والحوْل هو أصله تغير الشيء , وانفصاله عن غيره في الوقت ذاته , " لا يبغون عنها حولاً " , أي تحولاً وتغيراً وحركة , أما يحول فهي انفصال أيضاً ولكن دون تغيير , " وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " , أي يحجز ويفصل فحسب , والحال هو لغة نهاية الماضي , وبداية المستقبل , أما التحول , فهو لغة المستقبل , وهو مبني علي التغير والحركة , " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " , فالحول هنا الحركة ، وإذا كان هذا هو حال من انطفأ , فيه الخيال , وابتعد عنه التأمل , وغاب عنه التدقيق , فعمت بصيرته , عن رؤية ما يكتمل بشكل دائم في الكون من تطور وتركيب وتجميل , أما التحولات الكونية , الهائلة التي يعيشها , وتلقي بظلها الكبيرة عليه , فقد فَقد في مواجهتها , حاسة التمييز , وهو العزل والفرز والتفرقة والتفضيل كذلك " حتى يميز الخبيث من الطيب " , فلم يعد يفرز ويعزل ويفصل بين ما هو من قوانين الطبيعة , وما هو ليس منها .
لذلك فإنه لا يعي عبقرية الإيمان وإبداعات الجمال , والعبقري هو الفاخر من الجوهر , والكامل من كل شيء , والشديد القوي , والسيد من الرجال , أي أنه لا يعي جوهر الإيمان , وحقيقته , واكتماله الذي هو التصديق بالقلب واللسان معاً , والوعي غير الإحساس , فالوعي غاية اكتمال الفهم والمعرفة , إنه خليط من المحسوس وغير المحسوس , المدرك بالحواس , والمدرك بالوجدان و أما عدم الوعي , فهو أنطفأ الحواس , وانغلاق العقل , وإظلام الوجدان , وهو أيضاً لذلك , لا يعي إبداعات الجمال , يقول تعالي " بديع السماوات والأرض " , أي مبتدعها ومبتدئها ومنشئها علي خير مثال سابق , وأبدع وبدأ واستنبط , , بمعني واحد , فإبداعات الجمال , هي صوره المستحدثة , المنشأة , البديعة في الوقت ذاته , أي المحدثة , الجديدة , غير المسبوقة .
تضيف المقولة :
" حيث يقف الجميع علي ذات المسافة من أقدارهم في النهوض بالحرية والإخاء والسلام " , هنا نفي للتمييز . تأكيد للمساواة , لكن المساواة ليست في القدرة , أو المقدرة , وإنما في الفرصة , فليس ثمة علة في التكوين الذاتي الإنساني , ولكنها كامنة في قطع هذه المسافة المتساوية أمام الجميع , لتوظيف القدرة , وتفجير الطاقة , ومن ثم النهوض , إن النهضة هي الطاقة و القوة , والطريق الناهض هو الطريق الصاعد , والنهوض في المحكم هو البراح عن الموقع والقيام عنه , وفي المعني المجازي نهض النبات أي استوي , وأنهضه فأنتهض أقامه , ولكن النهوض هنا ليس نهوضاً عاماً , إنه محدد الطريق , إنه نهوض بالحرية , ونهوض بالإخاء , ونهوض بالسلام , أي نهوض بالقيم الإنسانية الجوهرية , التي تعيد الطبيعة الإنسانية , إلي مسيرتها الأولي , إلي فطرتها التي خلق الله الناس عليها , حرية ومساواة , وسلاماً .
لقد بدأت المقولة بالإلحاد " من ألحد بالقومية " , وهو ليس المرتد عن القومية , أو العقيدة فحسب , وإنما الخارج عليها , المناهض لها , المتنازع معها , المعين لأعدائها , وخصومها , الخارج _ بالتالي _ خروج قاطع الطريق , لا عابر السبيل , ثم انتهت بالوعي بعبقرية الإيمان , وإبداعات الجمال , كنتيجة للتأمل و التدقيق والإبصار , وكشرط وفعل في الوقت ذاته , للنهوض علي أفق متحقق من المساواة الطبيعية , التي تنكر معايير التمييز , والتميز , كي تكون الحرية والإخاء , والسلام , قابلين جميعاً للانتقال من مستوي إلي آخر , سواء من حيث الحدود الأفقية فوق الأرض , أو من حيث المسافات الرأسية في الفضاء , أي سواء من حيث الانتشار , أو الصعود والنمو والاكتمال .
إن المقولة لم تعرف الإيمان , ولكنها تركته مفتوح الأبواب, فالقاعدة هي الإيمان في إطلاقه , لا في نسبه أو وصنفه , لقد رافق مرحلة التنوير الغربي , نزعة تفاؤلية مفرطة , بشأن بلوغ الكمال البشري , ولكنها سرعان ما تحولت بسبب إحباطات غياب السلام والاستقرار والعدل , إلي نزعة عدمية , وبسببها تمددت في الفلسفة الغربية , دعوات لإطراء اللاعقلانية , أن جوته هو القائل " الوجدان كل شيء " فقد تبدد الزاد الروحي , الإيمان هنا هو الزاد الروحي , هو الأفق البعيد الذي تعرج الروح الإنسانية فيه , فتكتشف نفسها , في التحولات الكونية , وفي إبداعات الجمال , وهو زاد روحي يعلي من العقلانية , لأنه ليس نقيضاً أو بديلاً لها , قال ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود , ورد عليه كير كجارد : أنا أفكر إذن أنا لست موجوداً , لأن التقابل بين العقل والوجود عنده , كالتقابل بين الوهم والحقيقة , بينما يبقي العقل لدينا , كما في المقولة , علي الجانب نفسه من الحياة , فالعقل هو الإيمان , في نسيج الفلسفة العربية الإسلامية , والإيمان هو العقل .
لقد كان الفيلسوف قديماً يؤدي دور القناطر علي مجري النهر، أي أنه يجمع كل منتوج جديد , في الثقافة والفنون والآداب والعلوم , ثم يكثفه , ويربطه ببعضه , ويعيد إنتاجه في شكل نظريات وقوانين , ولهذا كان جانباً من المشكلة في هذه العلاقة أن العلم ونتائجه تقترب من اليقين , في حين أن الفلسفة لا تنتج يقيناً , حتى وأن رأت في إنتاجها ذلك , عند ( ديكارت ) مثلاً فإن نظرية المعرفة لا تقوم بغير يقين , بل أن اليقين هو الهدف الأساسي لنظرية المعرفة , وفي غيبة الإيمان , فإن الوصول إلي هذا اليقين , معبد بطريق واسع من الشكوك , عند فيلسوف غربي حديث آخر هو ( فتنجشتين ) فإن المعرفة الصادقة , شرط أساسي للحياة الناجحة , لكن المعرفة ليست اليقين , اليقين يتضمن معرفة , لكن المعرفة لا تتضمن بالضرورة يقيناً , ولكن كيف يتأتى ذلك إذا كان العقل هو مصدر المعرفة , في المدرستين الكبيرتين في الفلسفة الغربية , المادية والمثالية علي السواء , هل يمكن علي هذا الأساس , اعتبار كل القضايا التي تقبل الشك , كاذبة , ولو كانت عقلية خالصة .
في المرحلة الأخيرة , حاولت الفلسفة الغربية , أن تجد حلاً لهذه الإشكالية بين العقل والإيمان , أو بين العقل واليقين , علي أساس أن المعرفة ليست علاقة بين العقل وموضوع خارجه , وإنما بين العقل وبين الموضوع الذي يفكر فيه , وصدق الموضوع أو يقينه لا يتأتى من العلاقة التي تربطه بالعقل , وإنما من العلاقة التي تربط الموضوع الذي يفكر فيه العقل , بموضوع آخر أو بقضية أخري , لا تحتمل غير اليقين .
أي أن القضية أو الموضوع إنما يكتسب صدقه ويقينه من ارتباطه بقضية أخري أو موضوع آخر , تمت البرهنة علي وقوعه في حيز اليقين , لتنتهي المحاولة إلي إمكانية اكتساب اليقين بغير إيمان , وتأكيد اليقين بغير عقل , لأن الإيمان والعقل يقفان علي ضفتين متباعدتين , فوق تخوم هذه الفلسفة .
قضية الجمال في الفلسفة العربية الإسلامية , لا تبدو بعيدة عن هذه الخصوصية المعرفية , وليس ثمة مبالغة في القول , أن لدي العرب , أحدث نظرية قديمة في علم الجمال , تنتسب إلي القرن الخامس الهجري , وصاحبها هو الفقيه الشافعي المتكلم الأشعري عبد القادر الجرجاني , الذي قدم رؤية جمالية متقدمة للغة في كتابه النحو البلاغي , قبل مدرسة ( سوسير ) بعدة قرون .
يقول الفقيه الجرجاني , إن الكلمات لا تتفاضل إلا إذا وضعت في موضعها المحكم البليغ في التعبير , فالكلمة تحيا في موضع , وهي ذاتها تموت في موضع آخر , وتشرق في سياق لغوي وتنطفأ في سياق آخر , أي اللغة ليست مجموعة من الألفاظ , وإنما مجموعة من العلاقات , ولهذا يستخدم الجرجاني , تعبير النظم , ولا يستخدم تعبير الفصاحة الشائع , الذي يعني حسن اللفظ , وحسن المعني , فنظرية الجمال عنده تقوم علي المآخاة , بين اللفظ والمعني في نسق العلاقة , إنه يقول : " اللفظ في النهاية تبع للمعني , والكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس " , ويضيف : " فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام , يستحسن شعراً أو يستجود نثراً , فأعلم أنه لا ينبئك عن أحوال ترجع الحروف , أو إلي ظاهر الوضع اللغوي , بل إلي أمر يقع من المرء في فؤاده , وفضل يقدحه العقل من زناده " .
ونظرية الجمال عند الجرجاني , علي هذا النحو , تربط الجمال بالعقل , وبالفؤاد , وبالفعل , فجمال الشيء في أن يكون أداة صالحة لفعل ما أريد أن يفعله , وهو ما ينعكس علي عقله استمتاعاً , وعلي وجدانه تذوقاً وجمالاً , علي اعتبار المعاني المرتبة والمنتظمة في النفس , ورغم أن أرسطو وسقراط وأفلاطون جميعهم، ربطوا الجمال بالقيم , ولكن نظرية الجرجاني تعمق وتوسع من الرابطة وتنقلها من مستوي إلي آخر , حيث ترتبط القيمة عنده , بالوعي الجماعي , أكثر من ارتباطها بالقيم في معاييرها الذاتية المستقلة عن الإدراك , فليس ثمة صفة للكلام , وليس الكلام صفة , وإنما هي صفة العقل , وصفة الفؤاد , ولعل ( ديدرو ) , أحد فلاسفة اللغة والجمال في الفلسفة الغربية , لم يقم معني الجمال علي ما هو أبعد من ذلك , فقد أقامه علي إدراك العلاقة بين الأشياء والأجزاء , فالجمال عنده هو الذي يحتوي في ذاته , وفي خارج ذاته , علي ما يثير في المرء هذه الفكرة الجوهرية , فكرة العلاقات بين الأشياء والأجزاء والألوان , بينما كان أرسطو يري أن جمال الأسلوب هو جمال الصلة بين الألفاظ والمعاني , غير أن الجرجاني إنما يتحدث عن وحدة الصلة بين اللفظ والمعني , وعن سياق العلاقة بينهما , لا انفصالهما , وعن المعني الذي يقود اللفظ , وليس العكس , وعن وحدة العقل والوجدان في إدراك الجمال , باعتباره قيمة في الوعي الجماعي , أو الوعي القومي , ترتبط بوظيفة , محسوسة , وإن لم تكن حسّية , بالمعني المباشر , تماماً كهذا التفرد في الفلسفة العربية الإسلامية , الذي لا يفصل بين العقل والإيمان , باعتبار اليقين قيمة عقلية ووجدانية في الوقت ذاته , كما تشير المقولة وتومئ , فالصيغة الجوهرية , هي التوازن , وهو ليس توازناً قلقاً , ولكنه توازن مستقر وثابت , يحدث الضرر , وتغيب المنفعة , عندما يهتز , أو يقع تحت التهديد .
تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :
{ أن الأمة التي يمكنها أن تغرق بالماء , لا تستطيع أن تعيش بدونه , ومثله القومية } .
كيف يمكن للقومية التى تصفها المقولة بالماء , الذي هو أصل الحياة والذي يستحيل أن تتواصل بدونه " وجعلنا من الماء كل شيء حي " , أن تتحول في الوقت ذاته , من عامل خلق وتواصل ونماء , إلي عامل موت وانقضاء وفناء , هل تقوم هذه المعادلة , التي تحول طرفاً أساسيا فيها من عامل فاعل بالإيجاب ، إلي عامل فاعل بالسلب , علي قاعدة الكم كما هو حال جرعة الماء التي يمكن أن تروي ظمأ , وبركة الماء التي يمكن أن تغرق جسداً , هل تريد المقولة أن تعطي حكماً علي سلامة النزوع القومي , من حيث , كمية هذا النزوع , بمعني أن زيادة هذا النزوع , تحوله من جرعة ري للأمم , إلي فيضان إغراق لها ؟ وبالتالي فإن علينا أن نضيّق وأن نهذّب في مجري نزوعنا القومي , كي يظل شرياناً يحمينا من العطش , بدلاً من أن يتحول إلي فيضان , يأخذنا إلي الغرق , وإذا كان ذلك صحيحاً , فما هي جرعة القومية , التي تبقيها عامل خلق وتواصل ونماء , لا أن تحولها إلي عامل موت وانقضاء وفناء , أم أن الأمر علي النقيض من ذلك , فيما تقصده المقولة , فليس في نزعة قومية , ما يحولها إلي مصدر ضرر وإضرار , من حيث الكم , أو الحجم , أي من حيث السعة أو الانتشار , وإنما مصدر الضرر والإضرار يتعلق بها ، من حيث المصدر والمصب , أي أن المقصود ليس حسابات الكم في النزوع القومي , وإنما حسابات الكيف في هذا النزوع , أي طبيعة هذا النزوع , أساسه مكوناته مصدره , بنيته , كي يمكن في النهاية , أن يكون مصدر إضرار وإغراق وفناء , أو مصدر ري وإنماء وارتواء .
إذا كانت الإجابة الأولي صحيحة , فإن علينا أن نصنف القومية من حيث الدرجة , لنري , نفعها من ضررها , وإذا كانت الإجابة الثانية هي الأصح , فإن علينا أن نفحص القومية من حيث النوع , أي أن نقوم بتشريحها , وتوصيفها , لننتهي إلي يقين فيها , من جهتي النفع والأضرار .
أن الإجابة القائمة في صلب المقولة لن تتبلور واضحة جلية ، إلا علي خلفية كاملة , من الوقائع , قطعاً , بين هذين المستويين المختلفين في التحليل , وفي الحكم بالتالي , أي بين النزوع القومي , من حيث الدرجة , ومن حيث النوع .
أن المشاعر القومية , ليست بنت التاريخ الحديث أو المعاصر , وبعيداً عن قضية القومية العربية , حتى لا يكون المثال ذاتياً بحتاً , فإننا نستطيع أن نري بوضوح كامل أن مشاعر القومية الإنجليزية , متبلورة في مسرحيات شكسبير , والذي تنتمي كتاباته تاريخياً ، إلي ما بين أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر , وحتى في الدراسات الغربية الحديثة , فإن هناك من صك مصطلح " القومية المبكرة " , ( أوريدچ ) ووضعها حالة خاصة وجدت التعبير عن نفسها في دول المركز في غرب أوربا , في القرنين الثالث عشر والرابع عشر , من خلال زخم الوطنية , المعبرة عن نفسها في مشاعر الفداء والتضحية من أجل الملك والعلم , وعلي أساس أن القومية ذاتها , ظاهرة مركبة , مما يجعل من الطبيعي أن تعبر عن نفسها في صيغ مختلفة , وبطرق متباينة , المهم في ذلك حقاً , أننا لا نستطيع أن نفصل التاريخ عن الجغرافيا , لأن التاريخ
_ علي حد تعبير حمدان _ ليس الا جغرافيا في حالة سيولة , كما أن الجغرافيا ليست سوي تاريخ في حالة جمود .
أن مصطلح القومية ذاته , لم يقدر له أن يتبلور ويظهر , إلا في القرن التاسع عشر , رغم أن انصهار المشاعر القديمة في فكرة القومية , دون أسمها ، كان حاضراً بقوة , خلال القرن الثامن عشر , ربما تحت مسميات أخري , كالمواطنة , في ظل نزوع غالب , اكتسب مشروعية , يتيح بأن من حق أمة أن تقيم دولتها الخاصة , ولهذا فإن تعبير الدولة , كان سابقاً علي تعبير القومية في الغرب ، وهو أكثر قدماً بالطبع , كما كان تعبير الأمة بدوره سابقاً عليه , والمفهوم الأخير هو الذي لعب دوراً , في بلورة , ودفع مفهوم القومية إلي حيز الحياة بعد ذلك .
كانت أفكار الدولة والأمة , ومن ثم القومية , في القرب تعبيراً عن تحول اجتماعي , بل قل عن صدام اجتماعي , فقد اقتضي الخروج من ركود المجتمع الزراعي وعلاقاته , إلي المجتمع التجاري ثم الرأسمالي بعد ذلك , تحطيم تقسيم العمل , وفصل عري الوحدة بين الكنيسة والإقطاع , ولهذا كان الدين في أوربا داخل هذه المساحة ، أو الساحة القلقة مصدر صراع وتفريق , لا مصدر توحد , فقد بدا في مفصل هذا التحول , أكثر القوي دفاعاً عن الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية , غير القابلة للبقاء , وبالتالي جاءت العلمانية , بمفهومها التقليدي , في صيغة واحدة مع الدولة القومية , وجاءت القومية في هذا السياق أكثر ارتباطاً بالموروث الثقافي، الذي يعلي من شان عوامل الوحدة , عن تبلور الأيدلوجيات السياسية , وباختصار فقد تم تغيير السلطة الزمنية ، حيث حلت الأمة محل العقيدة الدينية , كان التطور طبيعياً , والتحول حتمياً , ولهذا كان فتح أفق جديد , يسمح للمتغيرات أن تعبر عن نفسها , في صيغ أكثر ملاءمة , لما تقتضيه الضرورات الاجتماعية ذاتها , ولهذا كانت الثورة الفرنسية هي التي نقلت مفهوم الأمة _ من مصطلح غير محدد المعالم إلي مصطلح يعبر عن شعب يمتلك كياناً سياسياً , أو يسعى إلي امتلاك هذا الكيان وملئه حيث تم شحن المفهوم ذاته , ببعدين جديدين , هما التمركز والوحدة , ولذلك ماتت الثورة الفرنسية , وانتهت توسعات الحرب النابولينية بالانكسار , لكن مفهوم القومية , لم يمت , بل علي النقيض من ذلك , تأججت القومية كنزعة عامة , استولت علي الجماهير في أنحاء أوربا , وأشعلت فتيل هبات قومية , استطاعت أن تؤسس دولاً , وأن تبني حدوداً , وسلطات جديدة , فقد حدث ذلك في اليونان , وبلچيكا , ورومانيا , خلال أعوام 1821 , 1830 , 1859 علي التوالي , وهكذا قدر للقومية أن تتحول إلي زاد فكري وأيدلوچي , لترسيخ مفهوم الأمة , والدولة , وبناء الدولة في هذا الإطار , علي امتداد أحقاب النصف الثاني من القرن التاسع عشر , ولم تكن عمليات الهدم والبناء كلها ، تجري وفق ضوابط الطبيعة , أو الضوابط الطبيعية , فقد تحولت النزعة القومية إلي شكل جديد من الإمبريالية , مستهدفة الضم , وتوسيع حدود الدولة , بكافة أشكال القسر والإكراه , العسكري والسياسي والمعنوي , بل لقد جري تزييف تاريخ بعض الشعوب , كي تتمكن من أن تضع نفسها في كيان أمة , ففي روسيا القيصرية , تم علي قدم وساق , فرض الروسية ، صيغة قومية علي جماعات قومية أخري , لتوسيع حدود الأمة , وفي حرب البلقان ، مارس الصرب بالقوة توسيع أراضي القومية الصربية , في اتجاه الجنوب , حيث ضموا مزيداً من أراضي القوميات الآخري وفي مقدمتها مقدونيا , بل أن ألمانيا نفسها ضمت عن طريق القوة المسلحة ، إقليمي شلزويج , واللورين , تحت دعوى وحدة اللسان الألماني , بل أن هذه النزعة الإمبريالية التي غطت وجهها بأقنعة القومية , هي التي أغرقت العالم في حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين , وأغرقت معها ثلث الكرة الأرضية بالدم , ورغم الصراع القديم في منتصف القرن التاسع عشر بين القومية التى تتركز حول المجموع , والليبرالية التى تتركز حول الفرد , بالمفهوم التقليدي الراسخ في العقل والثقافة الأوربية , فقد كانت الليبرالية ذاتها , هي التي أنتجت في النصف الأول من القرن العشرين , أكثر صور القومية نزوعاً إلي العدوان والسيطرة , والعبودية , أو قل تحولت إلي أكثر الأقنعة التاريخية مواءمة في التعبئة والحشد , والصدام , لتحويل الإمبريالية إلي عمل يكتسب شرعيته , من ذاته , ولم تكن النازية والفاشية إلاّ أكثر هذه الأقنعة أو الوجوه قبحاً , أو أكثر المصادر إغراقاً , لا رياً , ليس فقط إغراقاً بالماء كما تقول مقولة التجمع القومي الموحد , وإنما إغراقاً بالدم .
لقد كان ظهور المسألة القومية في أوروبا مرتبطاً , كما سبق القول , بالمتغيرات الجديدة في الحقل الاجتماعي والاقتصادي , والفكري أيضاً , حيث لم تستطع الأطر القديمة أن تتحمل الزاد الاجتماعي والاقتصادي الجديد , فتمزقت تحت ضغوطه الهائلة المستجدة , وحين نجحت القوي الاجتماعية والاقتصادية الجديدة , أن تحوّل القومية إلي طاقة صعود لها , للاستحواذ علي الدولة , ثم تم الانتقال من المجتمع التجاري إلي المجتمع الرأسمالي , لم يعد ثمة حاجة إلي القومية , إلا في حدود استخدامها كقناع لإمبريالية التوسع والضم والاستغلال علي المستوى الدولي , وبالتالي ركزت أوربا الغربية , نظرها علي القومية من نافذة رؤيتها للنازية والفاشية , أما الاتحاد السوفيتي فقد ضم أوروبا الشرقية بقومياتها المتعددة ، تحت جناحه , ونسجت المدرستان الفكريتان , الليبرالية في الغرب , والماركسية في الإمبراطورية السوفيتية , قماشاً فكرياً واحداً , يري أن التحديث , هو عامل إزالة الألوان القومية من فوق خرائط الجغرافيا , بالضرورة والحتم .
ورغم أن هذا القماش الفكري الجديد, غطي علي محاولات طمس النزعة القومية, هنا وهناك, في هذه البقعة الجغرافية, داخل حدود الدولة أو الإمبراطورية, أو تلك ، فقد واصلت هذه النزعات التعبير عن نفسها , ففي فرنسا كانت هناك ( كورسيكا ) , وفي أسبانيا كانت هناك ( الباسك ) , وفي بريطانيا كانت هناك ( الستر ) إلخ ..
ثم كانت المفاجأة الأكثر بروزاً ، هي ما ظهر في قاع البحر السوفيتي الكبير , بعد أن تفككت الإمبراطورية ، فقد بدا للوهلة الأولي , أن كل عوامل الإبادة والإذابة , , تحديثاً أو تجديداً , لم تفلح في نزع النزعة القومية , من جذورها البعيدة في هذه الأرض الإنسانية , والأمر نفسه لم يكن أقل وضوحاً عندما تفككت عري يوغسلافيا , واندفعت القوميات القديمة , تعبر عن نفسها بشكل صارخ , ما يزال رجعه يتناثر في الفضاء الدولي , بعد حمامات دم واسعة .
وإذا كانت القومية قد غدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , قوالب الطوب والأسمنت لبناء الدولة , ومثلها الساطع "بسمارك" في توحيد الشظايا الألمانية , وغدت في النصف الأول من القرن العشرين , قناعاً , للتوسع والبطش والاستحواذ الإمبريالي , فقد صاحب النمط الأخير , نمط آخر , أيقظ القومية في مساكنها الحقيقية القديمة , عندما غدت سلاحاً لمواجهة الظاهرة الاستعمارية ثم الإمبريالية , سلاحاً وعقيدة للتحرير واستخلاص الإرادة الوطنية , فقد أخذت إيقاع الثورة وطبيعتها وهي تنتشر كالعصارة الحية في الشجرة الجرداء , فتعيد إليها اخضرارها , وربيعها الغائب , يستوي في ذلك القومية العربية في أوج مراحل الاستعمار والتحرير , والقومية الهندية , والفيتنامية , وثوارت دول أمريكا اللاتينية المتجددة .
أن محاولات بلورة نظرية عن القومية , لم تأخذ نصيبها من الفعل ، إلا في الربع الأخير من القرن العشرين , ولم يقدر لهذه المحاولات، أن تقدم ربما حتى الآن نظرية مكتملة , عن القومية , علماً بأن جميع هذه المحاولات , استندت في متنها ومادتها , علي ما جمعته من ظواهر النزعة القومية , وتجلياتها في محيط , تبدو الأمة العربية , وبالتالي القومية العربية خارج تخومه المفتوحة.
أن فعل النزعة المركزية الأوربية ، الذي يري أن تاريخ العالم هو تاريخ أوروبا , وجغرافيا العالم هي الامتداد الطبيعي والحضاري لها ، لازال فاعلاً في جمع مفردات الرؤية التاريخية , وتحقيقها , وصياغة نتائجها , وتحليلها , وتركيبها في قوانين ونظريات ذات طبيعة سياسية , رغم أن مفاهيم الدولة والأمة والقومية , في هذه المنطقة التي تمثل قلب العالم القديم , وعاصمته الإستراتيچية , ظلت مرتبطة بتفاعلاتها الذاتية , وخصوصيتها التاريخية ، بجغرافيتها السائلة تاريخيا ، وتاريخها المتجمد جغرافياً , لقد نشأت هنا كافة حضارات العالم القديم , في وقت كانت أوربا ما تزال تعيش في كهوف العصر الحجري , وقامت هنا أول إمبراطوريات التاريخ , التي بسطت نفوذها علي المسرح السياسي العالمي , لعشرات القرون , وعلي امتداد هذه القرون ، طغي الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط علي شماله , واستطاع العرب أن يدمغوا حوض هذا البحر , بحضارتهم العربية الإسلامية , بسماتها وخصوصيتها وطابعها الذاتي الخاص , بل نازعوا وحدهم أوربا في سيطرتها, وسطوتها عليها , لكن أوربا ما تزال أسيرة نظرية ( بيرن ) عن وحدة حوض البحر المتوسط , وهي الوحدة التي حققها الإغريق والرومان بين ضفتيه , رغم أن المسافة بين ضفتيه قد ازدادت ابتعاداً ، لم يعد الفصل مقبولاً أوربياً وغربياً , ولم يعد الوصل إلا مفهوماً للمسيطر والتابع , والمركز والمحيط , والأصل والظل , والشمال والجنوب , والسيد والعبد , وحتى إعادة قراءة التاريخ , وتوصيف وقائعه , واستخلاص قوانينه , تتم علي قاعدة هذا الوصل المختلق المتعسف , لقد كانت الدولة في أوربا تعبيراً جغرافياً , ثم تعبيراً عن أمة بالمعني الثقافي , ثم تعبيراً عن قومية , أو عن هوية , تدخل القومية عنصراً غالباً فيها , وتضم في داخلها إلي جوارها , أبعادا ذات طبيعة سياسية , لتنتهي إلي تعبير سياسي , يلصق علي وجه أحياناً قناع القومية , ليخفي وجهاً إمبرياليا متقداً .
النزعة القومية _ إذن _ قامت في أوربا والغرب عموماً , تحت وطأة عوامل ذاتية داخلية , حاكمة للتطور الاجتماعي والاقتصادي , وللتحول من مرحلة إلي أخري , أي أنها انبثقت كرد فعل علي أوضاع البيئة الداخلية ، التي تعيق محاولة التقدم إلي أمام , ولهذا لم تأخذ صيغة واحدة في التعبير عن نفسها , ولا نمطاً واحداً في تأكيد وجودها , وأحياناً اختلاقه , فقد كان جل همها , هو إما تحطيم الوعاء القديم , الذي لا يسمح للتناقضات الجديدة , أن تزيح القديمة , وإما بناء وعاء جغرافي جديد , أو توسيع حدوده , أي قيام ونشأة وتأسيس الدولة , أما القومية العربية , فقد ولدت تعبيراً عن أوضاع تاريخية جغرافية وعرقية وحضارية وثقافية , قائمة في الواقع بالفعل , ثم أصبحت نواة الإسلام , التي أضاف إليها وحددها من داخلها , والأهم من ذلك , أنها بحكم ذلك أيضاً ، لم تأت تالية علي بناء الدولة , وإنما جاءت وما تزال سابقة عليها , وعندما استيقظت من جديد , بعد مراحل الكر والفر التي تعرض لها المشروع الحضاري العربي علي امتداد أربعة عشر قرناً , فلم تكن يقظتها إلا يقظة الوعي الحضاري , في مواجهة البيئة المحيطة , التي تستهدف نفيه وافتراس مفرداته .
عند ذلك يمكن استبصار الإجابة علي السؤال الضمني المركّبْ الذي طرحته مقولة التجمع القومي الموحد , كيف يمكن للقومية التي تصفها المقولة بالماء , والذي هو أصل الحياة , أن يتحول من عامل ريّ ، وإطفاء ظمأ ، إلي عامل غرق وفناء , وهل مصدر التحول فيها من مصدر نفع إلي مصدر إضرار , يتعلق بها من حيث الدرجة أي من حيث التوسع والانتشار , أو ما يتعلق بها من حيث النوع والصنف والأصل , والبنية , والإجابة بعد ذلك لن تجد متنفساً في التعبير ولا منافساً في الوضوح , غير المقولة ذاتها .
لكن السؤال الضمني المركب , مازال يستوضح إجابة تتعلق بعد التفضيل بين الدرجة والنوع , بالنوع ذاته , أو بمعني آخر إذا كان النوع والصنف والأصل والبنية أو جوهر الوعي والنزوع القومي , سليماً وصحيحاً , ألا يمكن أن يدخل عليه , ما يختلط به , ليغطي علي جوهره , باسم التراث أحياناً , أو باسم التجديد في أحياناً أخري , أو بإشاعة التناقضات المختلقة بين العناصر الأساسية المكونة لبنيته وجوهره ..
تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :
{ لا توقظ الماضي فمنه الجاهلية موروثاً ينتج ذاته , في قنوات شعرية , عبر تراث قومي , ما كان لشعلته أن تخبوا لو أمنا بالله , وبعدالة قضيتنا طريقاً للنهضة , بالعدل والسلام والحرية} .
لا توقظ الماضي ,’ أي لا تحرك ساكنه , ولا انتباهه , و تجعله حاضراً يقظاً وهو راقد , " وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ", فاليقظة نقيض النوم , وهي لا تعني الصحو فحسب , وإنما الانتباه أيضاً , فمن هذا الماضي " الجاهلية موروثاً ينتج ذاته " , والجاهلية من الجهل , وهي _ كما يقول الراغب _ علي ثلاثة أوجه , خلو النفس من العلم , واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه " فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة " وفعل الشئ بخلاف ما حقه أن يفعل , سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أم فاسداً " أتتخذنا هزواً , قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " وقال صاحب القاموس المحيط إن الجهل بسيط ومركب , فالبسيط عدم العلم عما من شأنه أن يعلم , والمركب اعتقاد جازم غير مطابق للواقع , أما الجاهلية فهي صورة الجهل المرّكب في إطار زمني , أو منتوجه في إطار مرحلة زمنية , والجاهلية موروثاً منتقلاً بالميراث من هذه المرحلة الزمنية إلي الحاضر , فأورثه الشيء أي أعقبه إياه , فهو الباقي من بعد صاحبه , أو من بعد زمنه , المنتقل إلي ورثته " يرثني ويرث من آل يعقوب " أي يبقي بعدي ويكون له ميراثي ( مع أن المقصود هنا بالميراث النبوة ) , والتراث من الميراث ، وأصل الثاء فيه واو وفي الحكم الورث والإرث والتراث , والميراث , ما ورث , وفي الدعاء النبوي عن الترمذي " اللهم أمنعني بسمعي وبصري وأجعله الوارث مني " , أي أبقه معي حتى أموت , وفي الحديث الشريف " أثبتوا علي مشاعركم , فإنكم علي إرث من إرث إبراهيم " , أي إنكم علي بقية من إرث أو ورث إبراهيم الذي ترك الناس عليه بعد موته , وهذه الجاهلية الموروثة تعيد إنتاج نفسها , وفي قنوات شعرية , أي في مسارب مستدقة , " وما يشعركم أنها إذا جاءت يشعرون " , أشعره أي ألتصق به , وخالطه , وكأنه موروثاً , بين مفردات ميراث الأمة , في حالة إيقاظها , والسماح لها بالحضور , فإنها ستتمدد بين التراث , فيختلط الزجاج بالماس , لأنها ستتمدد به من ثغور ومآرب مستقدة , غير ملموسة أو محسوسة , لتعيد إنتاج نفسها , وتلتصق بهذا التراث العظيم , وتختلط به , وتبدو جزءاً أصلاً فيه , وكأنها جوهره الحقيقي , مع إنها ليست جزءاً منه , وليست مكوناً فيه , إنها الخبث الذي يختلط بالذهب , أو بالمعدن النقي , فيطغي عليه , ويفقده خواصه ويذهب بخصوصيته , ويحيل قوته إلي هشاشة وضعف , ولهذا تضيف المقولة " عبر تراث قومي ما كان لشعلته أن تخبوا ، لو أننا آمنا بالله وبعدالة قضيتنا طريقاً للنهضة بالعدل والسلام والحرية " , فالدفاع عن الأمة يعني تقوية دفاعاتها , وهذا التراث القومي , هو أهم وأمضي أسلحة الدفاع عنها , شرط ألا تخالطه الجاهلية , بعد إيقاظها , لأنها نقيض الإيمان في عمومه , سواء بالخالق أو بقضية الأمة التي هي نهجها , وسبيلها للنهوض , والتقدم علي جسور العدل والسلام والحرية , المطلوب هو إيقاظ التراث , دون الجاهلية , وإجلاء الجوهر , دون الخبث , وتزكية الإيمان , دون نقائضه , وبلغة أخري , فإن المقولة تطلب إخضاع هذا الموروث لمنهج نقدي علمي صحيح , ليذهب خبثه جفاءاً ويبقي منه جوهره , الذي ينفع الناس , ثم أن جانباً من إيقاظ هذه الجاهلية موروثاً في صيغ الماضي , هو افتعال تناقض عدائي , بين أبعاد الهوية القومية , قد تكون واحدة من أوضح وأخطر مظاهره في آن واحد هو افتعال تناقض بين الوطنية والقومية , أى بين الهوية الوطنية , وبين العروبة , لاأن العلاقة بين الوطنية والعروبة , علاقة مركبة, لا ينبغي تسطيحها أو تبسيطها علي نحو يفصل بين مكوناتها , وهي تشبه إلي حد كبير تلك العلاقة الراسخة في الإبداع الأدبي والفني , علي الصعيدين الوطني والعالمي , فالقانون الرئيسي الذي يحكم هذه العلاقة , هو أنه كلما تشرب الإبداع سمات الواقع المحلي , كلما غدا عالمياً , لأنه سيعكس قسمات إنسانية عامة , في إطار يتميز بالخصوصية , فالمحلية الصحيحة المبدعة المتعمقة ، هي الطريق المنبسط إلي العالمية , وكذلك الوطنية الراسخة إنها سلالم الصعود إلي شرفة القومية , وإذا لم تكن وطنياً صادق العزم , فمن المستحيل أن تكون قومياً أو وحدوياً صادق الإيمان , إن الوطنية والقومية ليسا قطبين متنافرين , أو مجالين متضادين , وإن صُوراً كثيراً , من " الجاهلية " , علي هذا الأساس , إنهما علي العكس , طاقتان متكاملتان ، وطريقان في طريق واحد ، وإيمان صادق في شعبتين، ورئتان وظائفهما في جسد واحد , تبدأ القومية الحقة من الوطنية الصحيحة , وتنتهي الوطنية الحقة , بالقومية الصحيحة , دونما تنافر أو افتئات أو مغالبة , والوطنية في الكيان العربي , جزء من كل , هو العروبة والقومية , ولكن المعادلة بينهما ليست معادلة أخذ الجزء من الكل , أو انتقاص الجزء من الكل , أو طمس الكل لإبراز الجزء , إنها معادلة تكامل , لا تفاضل , ومعادلة اكتمال ، لا انتقاص , وكل منهما في المنتوج النهائي , حاصل ضرب بينهما ، لا قسمة , أو طرح , فوقود الوطنية , يغذي القومية , وشعلة القومية , تضيء وجه الوطنية , وبين الدفء والضوء , يتبدد الظلام والبرودة , وتختلج الروح , ويفيض نبض القلب كالنبع .
إن كل وحدة سياسة في بنية الإقليم العربي , ليست أمة , ولكنها جزء من كل , والأمة الواحدة التي ينطبق عليها التوصيف العلمي , هي مجموعة هذه الوحدات السياسية التي تشكل كيان أمة , لأن كلا منها , ليس أكثر من شعبة من أمة , وشعبة من إقليم .
لقد كان جانباً من أعمال هذه " الجاهلية " التي تسربت عبر مسارب جانبية مستدقة ، هو وضع الوطنية والقومية في تناقض , ينتهي أما بنفي الوطنية عن جهل لصالح القومية , أو نسخ القومية , عن تجاهل لصالح الوطنية , مع أن نفي الأولي ينسخ الثانية , ونسخ الثانية ينفي الأولي , وفي الحالتين يحول الماء من مصدر ريّ , إلي مصدر إغراق .
الجانب الثاني من أخطر وأوضح أعمال إيقاظ هذه الجاهلية , هو افتعال تناقض , بين الإسلام والعروبة , أو بين العروبة والإسلام , أي فك عري تلك السبيكة الواحدة التي تشكل بنية الهوية القومية العربية , حتى باسم ذلك التساؤل القلق، الذي طرح في ثوب البراءة الكاملة ,عن نواة هذه السبيكة , هل هي العروبة , أم الإسلام , بمعني آخر ، هل العروبة قلب الإسلام؟ , أم الإسلام قلب العروبة؟ , أي من الحامل ومن المحمول؟ , والسؤال ذاته ينطوي علي نظرة تفكيكية لبنية مندمجة حد التوحد , ليس فيها نواة أو قلب بالمعني الجغرافي الضيق , وليس فيها هامش أو محيط , بالمعني ذاته , لقد دللنا قبل ذلك , وإن كان الأمر لا يحتاج إلي دليل , أن العروبة كانت سابقة علي الإسلام , علي جانب , لكن عروبة ما قبل الإسلام ليست هي ذاتها عروبة ما بعد الإسلام , ليس بمعني الحذف , ولكن بمعني الإضافة , وليس بمعني التداخل , وإنما بمعني التفاعل , وليس بمعني النقصان وإنما الزيادة , كانت العروبة شجرة باثقة في الأرض , أصابتها عوامل التعرية , بكل مظاهر الجفاف والاصفرار , كانت جذورها ثابتة , وفروعها قائمة , ولكنها كانت واقعة تحت معاول الخريف , التي تقود إلي الذبول والتيبس والاصفرار , وجاء الإسلام كالعصارة الحية , ليفيض في عروقها , ويملأ خلاياها , ويمنحها حياة جديدة , وربيع توريق وتجديد وثمر , وما قيمة الشجرة اليابسة بغير عصارة حية , وما قيمة العصارة الحية , إذا لم تجد عروقاً صالحة , لأن تفيض فيها وتملؤها بالحياة , وهل يمكن الفصل بين الشيئيين , الشجرة علي جانب , والعصارة الحية علي الجانب الآخر , ثم الثمرة الطيبة علي الجانب الثالث، التي هي منتوج زواج شرعي طبيعي وتفاعل خلاق ، لا ريبة فيه ولا بهتان ؟!
ألا تحمل أربعة قرون من الوجود التركي علي رأس الأمة العربية , ما يقدم البرهان علي أن ما يصيب القومية , يطول الإسلام , وما يصيب الإسلام يطول القومية , ألم تكن العصارة التي اندفعت في عروق الشجرة العربية باسم الإسلام , والإسلام منها براء , أداة لتعويق شجرة العروبة , ووضعها بين أنياب الخريف , ثم ألم يكن تعويق الشجرة وتقزيمها , منتوجاً في ثمرة هذا التفاعل , بصوره المختلفة , تخلفاً , وتشرزماً , وضعفاً , واستضعافاً , وخروجاً , جمعياً ، عن طريق التقدم والتطور .
لقد كانت القسمة في النهاية قسمة الغرماء , من جانبيها خصما من الإسلام جوهراً ورسالة , ومن العروبة انتماءاً ووظيفة , ولم تكن القسمة بدورها في النهاية , إلا تعبيراً عن عصر طويل من الانحطاط , رسخ الحق الإلهي في الحكم , وأشاع التناحر المذهبي , وانتقل بالعقل العربي من الأصول إلي الفروع , ومن الشروح إلي المتون, ومن الاجتهاد إلي الجمود , واستخدم كل مساحيق الإبادة والإزالة , لنسخ الهوية القومية , وانتزع من الإسلام قواعده الجوهرية , في العدل والديموقراطية والمساواة , ومسخ نظم الحكم , فحول الحكام العرب , إلي تابعين , وإلي جلادين , وجباة ضرائب , وأشاع وعمد قيم الإتكالية , والانتقائية , والذرائعية , وحولها إلي أصنام معبودة , وفي النهاية , فقد كان نصيب العروبة من قسمة الغرماء، مساوياً تماماً لنصيب الإسلام , كان نصيب الشجرة الباسقة , مساوياً لنصيب العصارة الحية , أما نصيب الأوطان فكان تفككا وانهيارا , وهبوطاً إلي الدرك الأسفل .
ما يتهدد الإسلام إذن ، هو ذاته ما يهدد العروبة , وما ينتقص من العروبة هو ذاته , ما يجرف الإسلام رسالة وحضارة ....
لقد سرت روح هذا الفهم _ أو قل هذا المفهوم _ في عقل جمال الدين الأفغاني بغير ضفاف , فهو لم ير العصارة الحية , خارج الشجرة , ولم ير إمكانية لنمو الشجرة , وإعادة الربيع إلي أغصانها وفروعها وثمارها , بغير هذه العصارة الحية , أن الأمر كما يقول بالفعل : " لا جامعة لقوم لا لسان لهم , و لا لسان لقوم لا آداب لهم , ولا عزة لقوم لا تاريخ لهم , و لا تاريخ لقوم إذا لم يقم منهم جماعة تحمي وتحي آثار رجال تاريخها , فتعمل عملهم , وتنسج علي منوالهم " .
" إن الميل للوحدة , والتطلع للسيادة , وصدق الرغبة في حفظ حوزة العروبة , كل هذه الصفات كامنة في نفوسكم , ولكن دهاكم ما ألهاكم عما يوحي به الدين في قلوبكم , وأذهلكم أزماناً عن سماع صوت الحق يناديكم بين جوانبكم , شهوتم وما غويتم , وزللتم وما ضللتم , ولكنكم حرتم وتهتم , فمثلكم مثل جواب المجاهيل في الليالي المظلمة : كل يطلب عوناً , وهو معه لا يهتدي إليه " .
لقد ربط الأفغاني بين الوعي والوجود , والفكر والعمل , أو النظرية والتطبيق , ورأي الإسلام والعروبة , في سبيكة واحدة لا تقبل انفصاماً , واندفع لينقي نقاء الإسلام من شوائب مرحلة الانحطاط , التي جمدت العقل العربي وحولته مرتعاً للخرافة والاستكانة , والتبرير , وحين قصد محمد عبده الذي كان يري " مجد العرب " وحقهم في إقامة دولة تليدة خاصة بهم السبيل ذاته لتجديد الإسلام من داخله , بإخراجه من الطابع الفقهي الفروعي , ورؤيته رؤية جمالية أخلاقية شاملة , زادها منهج الحسن و القبيح عند المتكلمين , لا مفهومي الإباحة والحرمة عند الفقهاء , لم يقدر لجهده العلمي الرصين , أن يتحول إلي زاد جديد , يواصل طرح رؤيته , ومنهجه , ليحرك الجمود , ويصادر الخرافة , ويقيم عرشاً لمملكة العقل والإيمان , فقد انتهي تلميذه الأول ( رشيد رضا ) إلي سبيل أخر , وانتهي هذا السبيل الآخر , إلي طريق أكثر ضيقاً , مع حسن البنا , ثم إلي منحدر مع سيد قطب , ثم إلي بركة أسنة مع منظري السلفية الجهادية .
كان التوحد الذي صبغ النبض العقلي في بواكير القرن العشرين , يرتكز علي نزعة توفيقية بين المكون الحضاري العربي الإسلامي , وبين الحضارة الغربية , بين الموروث و الوافد , بين الجديد والقديم , لكنه سرعان ما أنتهي إلي نزعة قبولية شبه مطلقة بالحضارة الغربية , علي جانب , أو إلي انغلاق سلفي _ ولا نقول انغلاقا أصولياً , علي الجانب الآخر , حيث انفرط العقد , وخضعت سبيكة القومية والإسلام , إلي أحماض الإذابة وعوامل التعرية , لتتشكل قطبعة معرفية ، بين الذات والموضوع , وبين الجديد والقديم , وبين الأصالة والمعاصرة , وبين الموروث و الوافد , ولتتحطم تلك القاعدة الكلية , للوحدة المكانية الزمانية في الإقليم , فقد تم فصل التاريخ عن الجغرافيا , والعقل عن الوجدان , وأصبح _ كما يقول سيد قطب _ في كتابه " معالم علي الطريق " " الإسلام ليس نظام وطن و راية قومية " , وهكذا أصبح المفهوم غريباً علي الفهم " اعتزاز بوطن ولا أرض " , و " لا وطن للمسلم ولا جنسيته " , كما يضيف ، لقد قبل الفلاسفة المسلمون الفكر الهيلني بقلبه المتوهج , أي نظرية المعرفة فيه , التي تقوم علي الحس و العقل , وأضافوا إليها الوحي , في إطار من الاجتهاد العقلي , الذي يدمج العقل في الإيمان ، ولم يكن اعتماد منهج التأويل عند أبن رشد , إلا واحداً من أهم معالم بناء نظرية معرفية عربية إسلامية , تقيم سلطان العقل , في مواجهة سلطان النقل , والشروح في مواجهة المتون .
غاية القول أن الإسلام لم يضع تناقضاً أو تعارضاً بين القومية وبينه رسالة وحضارة , فقد جعل علي النقيض من ذلك , اختلاف الشعوب , قيمة أعلي في إطار توحيدية التوجه , والخلاف والتناقض _ إذن _ هو تناقض مفتعل ومختلف , وهو ليس بين القومية والإسلام بالتالي , وإنما بين القومية وبين أولئك الذين ينزعون من الإسلام جوهره , ويحولون ركامة المغلق ، إلي سلالم للصعود إلي السلطة , وتحويلها من سلطة مدنية , قابلة للنقد , قابليتها للتغيير , إلي سلطة زمنية , لا تقبل اختلافا , ولا تقبل تبديلاً , باسم الوراثة الشرعية للإسلام , وكان الإسلام الذي هو موروث الأمة كلها ومنجمها الحضاري , قد اختص نفراً من المسلمين بحق الملكية والتوريث , لنصبح في النهاية بصدد موقف سياسي , ذي بطانة دينية .
تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :
{ وتتسامي قيم مثلي للعدالة والحرية والسلام , ويتعاظم موروث قومي كسياج للأمة , زمن تحولاتها , ولتحصينها من الطامعين , والمنقضين جهارة علي وجودها , وبين أيديهم وثقافتهم التبريرية التي تتجاهل أزلية الخطاب القومي , غير مبالية بالمصير الكلي حيث لا عولمة , و لا كونية بل عدل وسلام وحرية } .
تبدأ المقولة بفعل السمو وهو العلو والرفعة , كما أن كلمة التسامي , تحمل أيضا معني التفاخر , ومعني التسابق والمباراة , والقيم جمع القيمة , واصلها ما يكافئ الشيء , لأنه يقوم مقامه , سواء أكان مادياً أو معنوياً , والقيمة فيها معني الاستمرار , لأنها تعبير عن معادل أو مكافئ , كما إنها مشتقة من قوام , وقويم بمعني العدل والاستقامة , ونظام الشيء وعماده , " جعل الله لكم قيماً " , أي لتستقيم به أموركم , فالقيمة تعني التساوي , والتوازن , والاستقامة , أي أن قيم العدالة والحرية والسلام , تعلو وترتفع , وتتسابق , جنباً إلي جنب في الوقت الذي _ كما تضيف المقولة _ " يتعاظم موروث قومي كسياج للأمة " , العْظم , هو كبر الطول والعرض والعمق في آن واحد , وهو مشتق من العْظم , وكأنه النمو في الهيكل الأساسي الذي هو أصل البدن , لكن المعني هنا أقرب إلي ما قاله الفخر الرازي , من أن الكبير ما كبر في ذاته , والعظيم ما يستعظمه غيره , ولذا غلب وصف الله بالكبير العظيم , ولهذا فإن القيم الثابتة في العدل والحرية والسلام , تتسامي فتبدو عالية ومحلقة , في أفق عام يفتقدها ويحتاجها , لأن الغالب عليه ليس العدل , وليس الحرية وليس السلام , كما يتعاظم الموروث القومي أي يستعظم , في وقت شدة ومحنة , فليس ثمة متغير مضاف في هذا الموروث , ولكنه يبدو أكثر عظمة , بحكم أن الحاجة إليه , أشد وأكبر , باعتباره جهاز المناعة في بدن الأمة , والميراث والموروث ما يورث وينتقل إلي الأبناء , وهو هنا ميراث الأمة الواحدة , التاريخ والجغرافيا , والمنتوج الحضاري , الذي يجري في عقلها , كما يجري مع كريات دمها , " ونرثه ما يقول " , وإنه لسياج , وهو ما أحيط به علي شيء من النخل والكرم من شوك , يمنع الدخول إليه , وفي ( المصباح ) وهو الحائط , أي حائط الصد عنها , وحائط الحماية , الذي لا يمكن تجاوزه أو اختراقه , في زمن تحولاتها , والتحول والحْول أصله تغير الشيء , وانفصاله عن غيره ," لا يبغون عنها حولاً " , ولتحصينها من الطامعين , فالحصن كل موضع حصين لا يوصل إلي ما في جوفه , وأصل الإحصان المنع , " مانعتهم حصونهم " , والحصن هو السلاح أيضاً , نقول درع حصينة , لكونها حصناً للبدن , والحَصان , الدرة في جوف الصدف , فهي محصنة , وقد اشتقت كلمة الحصان في العربية من الحصانة , لكونه محرز لفارسه , " وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم " أي لتمنعكم , أما الطمع _ كما يقول الراغب _ فهو نزوع النفس إلي الشيء شهوة له , والمطمع ما يطمع فيه , وهي تضفي علي الشيء معني أنه غير محصن , فالحصن أو التحصين , هو السياج , أو الحائط الذي تشكله بنية هذا الموروث القومي , ولهذا أضاف إلي الطامعين " المنقضين جهارة علي وجودها " , فالانقضاض هنا يعني ترجمة هذا النزوع الذي يمثله الطمع إلي فعل , أو علي وجه الدقة إلي نصف فعل , أو إلي فعل لم يكتمل , فانقض الجدار , أي تصدّع دون أن يقع ," فرأيا جدارا يريد أن ينقض " , وانقضت الخيل , أي انتشرت واندفعت في الطريق إلي هدفها , وكذلك الطائر إلي فريسته , وهذا الانقضاض يتم جهاراً , فالجهر ما ظهر جهْرة أي دون ستر , " أرنا الله جهرة " , أي عياناً غير مستتر وغير محتجب " , وجهر الصوت أعلاه , فالكلمة تعني ظهور الشيء بإفراط , وهو ما يعني أن الانقضاض علي وجود الأمة واضح ومفرط وكبير , وأنه يستهدف تحويل هذا الوجود , إلي عدم , فالمستهدف هو كيان الأمة , وحقيقتها , وتحويل وجودها إلي عدم , وإذا أضفنا إلي ذلك , أن تعبير أنقض , أو المنقضين , من أقضي الشيء , أي تركه قضضا , أي حصى صغاراً , فالمستهدف يكون أكثر وضوحاً , وهو الهدم والتفتيت , وتحويلها إلي أنقاض .
أما السلاح الذي بين أيدي هؤلاء الطامعين , والمنقضين فهو ثقافتهم التبريرية , التي تتجاهل أزلية الخطاب القومي , إن الثقافة هو ما تستوي به الرماح , وثقّفه تثقيقاً , أي سواه وقومه , يقال رمح مثقف , أي مقوم مسوي , وثاقفه مثاقفة ، أي غالبه فغلبه ، في الحذق , فسلاحهم المسنون , هو مجرد تبرير يتجاهل أزلية الخطاب القومي , وتجاهله , أي جهل عليه , وأظهر الجهل , كما تتضمن أيضاً , معني الاستخفاف , بأن هذا الخطاب قائم منذ الأزل , وعندما يكون الخطاب قائماً منذ الأزل , فهو انعكاس عن حقيقة قائمة في الواقع , سابقة عليه , ولكن هذه الثقافة التبريرية , التي بين أيدي الطامعين والمنقضين , والمستهدفين وجود الأمة , لا تمتلك كغيرها من الثقافات الإنسانية , رؤية خارج حدود الطمع ، والذي تزينه الشهوة , ولهذا فهي لا تري ما وراء ما تزينه , وهو عابر ومؤقت , ولهذا _ أيضاً _ فهي لا تمتلك ككل ثقافة إنسانية , ضميراً ولا وجداناً , إنها ثقافة اللامبالاة بالمصير الكلي , ثقافة الرؤية الجزئية , الموصومة بالتبرير , والسطحية , والابتذال , أما المصير الكلي فهو مناقض لرؤيتها , متناقض معها , " حيث لا عولمة ولا كونية بل عدل وسلام وحرية " , وعندما تضع المقولة العولمة والكونية علي جانب , والعدل والسلام والحرية علي الجانب الآخر , فإنها لا تعمد إلي إبراز رؤية بديلة , للعولمة والكونية , ولا تحل هذه الرؤية محل القانون الطبيعي , باعتبارها قبلة المصير الإنساني , ولكنها إضافة إلي ذلك , تجهر بأن العولمة والكونية , هما نقيضان للعدل , والسلام والحرية , ولكنهما نقيضين مؤقتين , عابرين , لا يشكلان غير مرحلة أمنية في رحلة إنسانية ممتدة , لا تخضع للزمن , لأنه جزء من بنيتها .
المقولة _ إذن _ تعمد إلي حصار هذه الثقافة التبريرية , وإلي فضحها وكشفها , ثم إلي نفيها , ليس فقط برد الاعتبار إلي الثقافة القومية , أو بنسخ العولمة ذاتها , باعتبارها قلب هذه الثقافة التبريرية النابض , وإنما إضافة إلي ذلك , برد الاعتبار إلي المستقبل , وبرد الاعتبار إلي الأيدلوچيا أو إلي العقيدة .
لقد استخدمت هذه الثقافة التبريرية , انهاراً من الحبر , وجبالاً من الورق , لإسباغ صفة الديمومة علي أوضاع الاستغلال , والاستعمار , وتقسيم العمل الدولي , وعلي أن معركة العدل والحرية والسلام في العالم , قد انتهت ، وان الأصولية الليبرالية قد كسبت المعركة , وأن عصر الأيديولوچيا والعقائد , قد ولي إلي غير رجعة , وبالتالي فقد سعت إلي أن تزهق تلك الروح الإنسانية , التي توهجت إيماناً بأن المستقبل , سوف يتجاوز الحاضر , وهي روح لعبت دور الوقود الدائم , في السعي إلي تحسين شروط الواقع الإنساني .
لقد كان " ألبير كامي " أول من استخدم تعبير نهاية الأيديولوچيا في عام 1967 , حين ترهل اليسار الأوروبي , ووقع تحت تهديد دولة الرفاهية المزعومة , ولكن مأتم نهاية الأيديولوچيا , لم يقدر له منذ ذلك التاريخ أن يتوقف , بل ازدادت معزوفاته الجنائزية , علواً , وانتشاراً , لقد كتب " شارل فوريير " يقول : " أن الحكمة والأخلاق والفضيلة كلها قد أصبحت موضات بالية , وكل شخص يتعبد الآن لمقام التجارة , لقد أصبحت عظمة الأمة الحقيقية , ومجدها الحقيقي , محددين في أن تبيع زوجاً من السراويل , أكثر مما باعت الإمبراطورية المجاورة , بدلاً من أن تشتريه منها " , بعدها لم يعلن " فوكو ياما " نهاية الأيديولوچيا فحسب , بل أعلن نهاية التاريخ , والحقيقة أن هذه الثقافة التبريرية لا تعكس مفهوماً مستحدثاً , لنزعة السيطرة الإمبريالية , ولا تقدم قناعة جاهزة , بعدم جدوى المقاومة , التي ينبغي أن تجرم وتحرم , باعتبارها ضرباً من الجنون ، ولا تشيع مناخاً من اليأس وعقلانية الاستسلام المذل , والخنوع المهين , ولا تنطلق من رؤية نفعية لمصالح غالبة , ثم ترجمتها إلي خطط واستراتيجيات باستخدام القوة العسكرية، وتحويلها إلي استثمار اقتصادي , ولكنها فوق ذلك كله , تشي بنزعة تفوق عنصري , نواتها القوة , وهامشها الثقافة والحضارة , وهكذا لم تعد القومية وحدها واقعة تحت التهديد , ولم تعد الأمة وحدها في مرمي النيران المعادية , وإنما أصبح كيان الدولة نفسها , داخل لوحة التنشين