United National Group
05/09/2010 18:09:24  
Documents
   

الفصل الثالث:


الــعـــــــدل


لا مراء أن اللغة العربية كائن حي , وأنها تجدد مفرداتها كما تجدد الأجسام الحية خلاياها , حيث يدرك بعضها الشيخوخة والأقوال  والموت , لكن أقول المفردات في لغة بعينها ,أو ولادة وسطوع مفردات جديدة , هي ظاهرة موضوعية , تخضع لقوانين خارج سياق اللغة , وأن ظهرت نتائجها علي نحو مباشر , في حقلها الذي يبدو مغلقا , ذلك أن انطفاء مفردات بعينها , وتحولها إلي أبنية مهجورة , أو سطوع سواها , في قاموس السياسة العامة , ليس دالة علي حيوية اللغة , بقد ما هو دالة علي طبيعة المستجدات والمتغيرات, المتصارعة فوق المسرح السياسي الاجتماعي والثقافي , وعن القوي السياسية والاجتماعية الأكثر سيادة فوق هذا المسرح , وهي تسعي جاهدة إلي إعادة صياغة الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي العام , في إطار رؤيتها ومصالحها , وأهدافها .


ومع أن عملية مفردات جديدة , أو تحويل مفردات بعينها إلي مفردات مهجورة , تأخذ إيقاعا زمنيا طويلا للغاية .


إلا أن هذا الإيقاع الزمني , أصبح سريعا وخاطفا , حد أنه يمكن نقل مصطلح " الحراك السياسي " من حقل السياسة إلي حقل اللغة , بتوصيف ظاهرة مستجدة تطول قاموس اللغة العربية , يمكن أن نطلق عليه مصطلحا مماثلا هو " الحراك اللغوي " , حيث أصبح التغيير في الاتجاهين يتسم بالقوة والسرعة علي نحو غير مسبوق , مما يشي بدور العوامل الذاتي قبل الموضوعية في دفع هذا الحراك .


لقد أخذت هذه الظاهرة , تعبر عن نفسها من خلال وجهين متجاورين :


الأول :دفع مفردات بعينها إلي حيز الذبول والأقوال , حيث أصبحت مهجورة في القاموس السياسي العام , سواء في الخطابات السياسية للأنظمة والحكومات , أو فيما يماثلها من التنظيمات المستجدة , أو تلك التي تصدر عن تيارات  المعارضة المختلفة , بما في ذلك الجمعيات الأهلية , يستوي في ذلك مفردات مثل , العدل , الحق , التراث , الطبقة العالمة , المساواة , السلام الاجتماعي , الخصوصية , القومية , العروبة.... الخ الخ .


الثاني : تفريغ مفردات لغوية من مضامينها السابقة , وإعادة شحنها بمعاني جديدة , تبدو متناقضة مع دلالاتها الأصلية , بغية توظيف  ثقلها المعنوي التاريخي , في الوجدان الشعبي والجماهيري في تمرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية , التي قد تعبر عن مصالح القواعد الاجتماعية , المنتجة العريض , وذلك علي غرار تعبير ( تحرير الاقتصاد )  , الذي يوظف فيه الثقل المعنوي لكلمة التحرير المرتبطة في العقل العام بالأرض والحقوق والسيادة , وكان العملية السياسية الاقتصادية المرتبطة بالتوجه الذي يعنيه التعبير , إنما هو استخلاص قواعد الاقتصاد الوطني , من ربقة سيطرة المؤسسات الأجنبية , لا وضع هذه القواعد في إطار استراتيجيتها المعلنة .


تبدو خصوصية الخطاب السياسي للتجمع القومي الموحد, أكثر لمعانا في هذا الحيز في الوقت الذي تعبر فيه عن مفارقة مشبعة بالدلالات , ذلك أن أكثر المفردات طمسا وإسقاط من القاموس السياسي العربي العام , هي في الوقت ذاته , أكثر المفردات حضورا , وسيادة , وجاذبية في القاموس السياسي الذي تتشكل من مفرداته الأدبيات السياسية التي يطرحها التجمع القومي الموحد. ودون ريب فإن مفردة العدل , تحتل موقعا بالغ التميز في هذه الأدبيات , كما تشكل في نسيجه علامة بارزة , ومضيئة, فوق أنها تشكل جسرا واسعا بين غيرها من المواقع المتميزة والعلامات البارزة .


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :


" علي أن ما نتلمسه , ونتبصر ظله , ونتخيل ما بعده , ونتأمل صوره ,غير كيان قومي , يتحرك في الأمة , لا يسألها عن لون أو عرق أو شكل أو ذي فرق , يميزه ميل إلي الجمال , وإيمان بالله ورسله , وعشق للحياة والخلق , هو كالرعود والعواصف والزلازل والبرق , في مثله نتساكن , ومثله الحق ,دليلنا للعدل والسلام والحرية " .


أن التلمس لا يعني فقط الاجتهاد في رؤية الطريق , وإنما يعني فوق ذلك التحقق منه , أي تكرار المحاولة والاستمرار فيها , وتطلبها مرة بعد أخري , وهو ما يعني القصد والتعمد بل والإصرار , أما التبصر فهو التأمل والتعرف والاستبيان , يقول تعالي :" أدعوا لله علي بصيرة " , ويقول : " وكانوا مستبصرين " أي تأملوا وتحققوا وأدركوا , وتبين لهم الطريق وعاقبته , والبصير من أسماء الله , وهو الذي يري الأشياء كلها خافيها وظاهرها بغير جارحة , " وجعلنا أية النهار مبصرة" , " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة " , وعندما تضيف المقولة , " نتخيل ما بعده , ونتأمل صوره" , فإنها توسع عمق الرؤية , لنري بالبصيرة ما وراء الإدراك المباشر , من تجليات هذه الرؤية , وما يترتب عليها , وما تقود إليه , وهو ليس غير كيان وطني قومي يتحرك في الأمة , فتعبير الكيان هو تعبير معنوي عن حقائق مادية ومعنوية , يتشكل من مفردات ووحدات , تشكل بدورها حالة كلية من الخصوصية , تتميز بالتفرد والحضور والتأثير .


وهذا الكيان القومي الذي يتحرك في الأمة لا يسألها عن لون أو عرق أو شكل أو ذي فرق  , فهو لم يقل ذي ميزة , لأن الحديث موصول بالصفات الأضعف , أي موصول بالمساواة وعدم التميز , يتميز بذاته ميلا إلي الجمال,وإيمانا بالله ورسله , وقد قدم الميل إلي الجمال علي الإيمان ذاته , لأن من لا يميل إلي الجمال , لا يكون مؤهلا لتذوق حلاوة الإيمان , وهو فوق ذلك يتميز بعشق الحياة , والخلق , وإضافة الخلق إلي عشق الحياة , يسقط التميز أيضا , فهو لم يستخدم كلمة الناس , وإنما قال الخلق ,أي أجمعين, فخلق الله في كلام العرب علي وجهين الأول :  الإنشاء علي مثال أبدعه كقوله تعالي " ألا له الخلق والأمر " , و الثاني التقدير كقوله تعالي " فتبارك الله أحسن الخالقين " , والخلق هو الفطرة التي فطر الناس عليها , " " لا تبديل لخلق الله " .


أما العشق فإنه ليس الإفراط في الحب فحسب , ولكنه كما تقول رسالة أبن سينا فيه , " لا يختص بنوع الإنسان بل هو سار في جميع الموجودات من الفلكيات , والعنصريات , والنباتات , والمعدنيات , والحيوانات, وأنه لا يدرك معناه , ولا يطلع عليه , والتعبير عنه يزيده خفاءا , وهو كالحسن لا يدرك ولا يمكن التعبير عنه , وكالوزن في الشعر وغير ذلك , مما  يحال علي الأذواق السليمة والطباع المستقيمة ".


 وهذا الكيان القومي , _ كما تضيف المقولة _ بما يتميز به من خصوصية , يأخذ منحي قوانين الطبيعة , عندما تكتمل آياته , وتتكامل عناصره , فهو كالرعود والعواصف , والزلازل , أنه يضيء , ويبرق , ولكنه يغير الخرائط , والمواقع , ويندفع ليغير الخرائط السياسية والاجتماعية , وبالتالي الجغرافيا الاستراتيجية , ولكننا في مثله , رغم رعوده وعواصفه , وزلازله , وبروقه ,نتساكن , فنحن جزء من بنيته , فكلمة نتساكن ليست من السكون , ولكنها من السكني أيضا , وهو المعني الأغلب هنا , فهي تعني الهدوء , والألفة , كما تعني البنية المشتركة الواحدة .


تضيف المقولة " ومثله الحق " , والحق من أسماء الله , قال أبن الأثير هو الموجود حقيقة المتحقق وجوده وآلهيته , والحق هو العدل , وهو الصدق , يقول الشافعي : " المطابقة في الحق من جانب الواقع , وفي الصدق من جانب الحكم " , وحق الأمر وأحقه , كان منه علي يقين , فحقيقة الإيمان خالصه ومحضه وكنهه , وحقيقة الشيء منتهاه , واصله المشتمل عليه , يقول تعالي :" ويحق الحق بكلماته " , فحقيقة الأمر يقين شأنه , " حقت كلمة العذاب علي الكافرين " , أي ثبتت ووجبت , وغدت حقيقة واقعة , وهذا الكيان القومي الذي نتساكن فيه , ونندمج , ونتوحد , كما نتوحد مع الحق , هو دليلنا , أي ما يستدل به , أنه الدال ,والمرشد ,والهادي ,  إلي العدل , إلي المساواة ونفي الجور والاستبداد , فالعدل ما عدل الشيء لا ما عدله , وعادلت بين الشيئين إذا ساويت بينهما , وعدله أي قومه فاستقام , يقول تعالي , " وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " , " أو عدل ذلك صياما " , فالكيان القومي هو الحق , وهو الدليل والهادي إلي نزع الظلم , وهزيمة الاستبداد , وإشاعة المساواة , كما أنه الطريق إلي السلام والحرية , فالشرط اللازم في الواقع المعاش للآمة رؤية  وفكرا وسلوكا , كي يتحقق العدل والسلام والحرية . أي لتصبح الأمة حقا وصدقا وعدلا , موصولة برسالتها التاريخية , ووظيفتها الحضارية , ودورها الإنساني , هو قيامة الحق , فهو السبيل و المعبر والجسر الذي ينقل للأمة, من صحراء التيه  , والتخبط والانقسام والاقتراب إلي جنة التوحد والعقل والتأثير , أنه الذي ينقلها أو ينتقل بها من موازين ضعف إلي موازين قوة , ومن درجات هبوط إلي درجات صعود , أما شروط هذا الحق فهي مجسدة , فيما تتلمسه , ونتبصر ظله , ونتخيل ما بعده , ونتأمل صوره, وهو الكيان القومي الذي يتحرك في الأمة , حيث لا سبيل لأن تتحرك _ هي _ إلا به .


أما مفهوم العدل التي نحن في سبيل تحقيق مدلوله في فكر التجمع القومي الموحد ,فإنه متعدد الوجوه في الفلسفة العربية الإسلامية , قال تعالي " فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم " , فرد الظلم والعدوان أحد ووجوه  , و " جزاء مسيئة مثلها " , وهذا هو المعني الأعمق في الآية الكريمة " إن الله يأمر بالعدل والإحسان" , فالعدل هو المساواة في المكافأة , ولهذا فعادله يعني وازنه , وعوله يعني قومه , " فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك " ., ونسب إلي عمر بن الخطاب قوله : " الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني كما يعدل السهم في الثقاف " . أو كما قال الشاعر يوم أحد : " فقلنا الضعف من أشرافهم ...... وعدلناه ببدر فاعتدل , أي قومناه فاستقام , يقول صاحب جواهر القاموس : " العدل : في أسماء الله سبحانه وتعالي , هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم , وهو في الأصل مصدر سمي به فوضع موضع العادل , وهو أبلغ منه لنه جعل المسمي نفسه عدلا " , ث أن العدل بعد ذلك , في أحد أهم وجوه هو القيمة , وهو ما يجعله موصولا بالمصطلح الحديث في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي علي جانب , والنظام الدولي علي الجانب الآخر .


أن تجسيد صورة العدل في عمق الفلسفة العربية الإسلامية ,الذي يمكن له أن يجسد بدوره عمق الرؤية التي يشتمل عليها المفهوم ذاته , قد تستوجب التوقف عند بعض إنتاج الفيلسوف  والمفكر العربي , الذي خطي بلقب " المعلم الثاني " بعد أرسطو , ألا وهو أبو نصر محمد الشهير بالفارابي .والذي يعتبر دون شك المؤسس  الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي , والمؤسس الأول للفلسفة العربية الإسلامية , منشيء بنيانها وواضع قواعد وأسس كافة  فروعها, والتي أنحدث من لدنه مسائل وأفكارا وقضايا , لدي جملة فلاسفة الإسلام المعروفين .


ولم يكن اهتمام "الفارابي " بقضايا الفلسفة في تجريدها , أو تجردها عن الواقع السياسي والاجتماعي , وإنما كانت اهتماماته , ودراساته , موصولة بشئون السياسة و المجتمع , ولعل ذلك أكثر ما يكون وضوحا , في كتابه  الواسع الشهرة , ( أراء أهل المدينة الفاضلة ) والذي أتمه في دمشق سنة 331 ه , وعلي الرغم من تعدد مؤلفاته وكثرتها لم يصل منها إلينا , سوي أربعون مؤلفا , ومنها : ( رسالة في معاني  العقل ) و (كتاب الجور ) و (كتاب الزمان ) و(نصوص الحكم ) و (رسالة في فضيلة العلوم والصناعات ) الخ . الخ .


والحقيقة أن كتاب (أراء أهل المدينة الفاضلة ) ليس نزوعا من صاحبه إلي الخيال , أو إلي (اليوتوبيا ) بإنشاء مدينة ليست قائمة في الواقع ,ولا إمكانية لقيامها , وإنما هو نزوع العقل النقدي إلي مواجهة مع عصره , بكل ما اشتمل عليه , من فتن وانقسام , وبعد عن روح العدل والسلام , ولذلك كان جل إهتمام الفارابي , هو أن يقيم مدينة تجسد المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها فلسفته ورؤاه للأخلاق واليقم والسعادة , وخالق الكون وما وراء الطبيعة , ولهذا إختار أن يفصل بين أفكاره الفلسفية , في الجزء الأول من الكتاب , قبل أن يضعها موضع التطبيق العملي , نموذجيا , تقتات منه نظما وأخلاقا , ورئاسة , وعملا , وعلاقات , المدينة الفاضلة التي أسسها في جزئه الثاني .


يفتتح الفارابي القسم الفلسفي النظري بتسع فقرات للبحث في الوجود الاول وهو الله تعالي :" القول نفي الشريك عنه تعالي , القول في نفي العند عنه , القول في الحد عنه , القول في أن وحدته عين ذاته , وأنه تعالي عالم وحكيم , وأنه حق وحي وحياة , القول في عظمته وجلاله ومجده , القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه , القول في مراتب الموجودات , القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمي بها الأول تعالي مجده "


ثم يمضي في بيان مراتب الموجودات وحالاتها , وصلتها بالله وببعضها , مقسما إياها إلي موجودات روحي يرتبها في ست مراتب , مرتبة السبب الأول وهو الله تعالي , ثم مرتبة العقول التسعة المحركة للأجرام السماوية , ثم مرتبة العقل الفعال في الإنسانية , تليها مرتبة النفس الإنسانية , فمرتبة الهيولي ثم مرتبة الصورة , مقدما نظرية في نظام الكون ونسقه , وإدارته تعتمد علي ما أطلق عليه " العقل الفعال " , أما الموجودات المادية فيرتبها في ست مراتب تبدأ بأجسام المدنيين وتنتهي بالمواد الأولية المشتركة , وهي الماء والهواء والتراب والنار وما جانسها


أما النسق التطبيقي الذي يشتمل علي نموذج المدينة الفاضلة , والتي يعرفها بأنها " التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون علي الأشياء التي تنال بها السعادة " وهي " تشبه البدن الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها علي تتميم حياة الحيوان وعلي حفظها عليه " , فقد أشتمل علي اثنتي عشر فقرة تحت العناوين التالية : " القول في احتياج الإنسان إلي الاجتماع والتعاون , القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة , القول في مضادات الدينة الفاضلة ( وتشمل هذه الفقرة علي أقسام : المدينة الجاهلة , والمدينة الفاسقة , والمدينة المبدلة , والمدينة الضال ) , القول في اتصال النفوس بعضها ببعض  , القول في الضالات والسعادات ,القول في أهل المدينة الفاضلة , القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة , القول في أراء أهل المدن الجاهلة والضالة ,القول في العدل , القول في الخشوع , القول في المدن الجاهلة .


ويتحدث في القول في احتياج الإنسان إلي الاجتماع , عن ضرورات " الاجتماعات الإنسانية " وعن فطرة حاجو المرء إلي قومه , مقسما المجتمعات إلي قسمين , كاملة يتحقق فيها تعاون اجتماعي كامل تتحقق بموجبه السعادة , وهو مفهوم في سياقه أقرب إلي الإشباع علي المستوي الفردي وإلي الاكتفاء الذاتي علي المستوي الوطني ومجتمعات ناقصة , التعاون فيها منقوص , وبالتالي لا تحقق إشباعا , ولا اعتمادا علي الذات , و المجتمعات ".. الكاملة ثلاث عظمي ووسطي وصغري , فالعظمي اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة _ أي علي مستوي العالم _ و الوسطي اجتماع أمة في جزء من المعمورة , والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة .. " . فهو يتحدث عن حكومة عالمية تقسم العدل وتنتج السعادة في المعمورة كلها , ثم عن حكومة أمة , ثم عن تفرد مدينة بحكومة عادلة , والمدينة هنا , لا تعني سوي بلد في أمة , ليأخذ بعد ذلك في تحديد الصفات التي يلزم توافرها فيمن يتولى منصب الرئيس في مدينته الفاضلة , مقسما هذه الصفات إلي صفات فطرية وأخري مكتسبة , فالصفات الفطرية اثنتا عشرة صفة , ممكن تلخيصها في أن يكون تام الأعضاء , جيد الفهم و التصور , جيد الفطنة , حسن العبارة , محبا للعلم والاستفادة غير شره , محبا للصدق وأهله ,كبير النفس محبا للكرامة , محبا للعدل وأهله , مبغضا للظلم والجور وأهلهما, عدلا , غير صعب القياد إذا دعي إلي العدل , صعب القياد إذا دعي إلي الجور وإلي القبيح , جسورا " .


أما الصفات المكتسبة التي اشترط الفارابي أن يتمتع بها الرئيس , فقد عدها في ست صفات , يمكن تلخيصها في " أن يكون حكيما , عالما , له جودة استنباط , له جودة رؤية (مستقبلية ) , له جودة إرشاد  , له جودة ثبات في مباشرة أعماله الحرة" . ثم أضاف إلي الصفات السابقة كلها صفة روحية , وهي " اتحاد الرئيس بالعقل الفعال , أو حسب تعبيره : " إنما يكون ذلك الإنسان أنسانا قد استكمل فصار عقلا ومعقولا بالفعل " .


يضيف الفارابي ما يضيء عمق ناس مدينته الفاضل قائلا : " وكذلك ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة : فإن أجزاءها كلها ينبغي أن تحتذي بأفعالها, مقصد رئيسها الأول " , أي أن اكتمال سعادة المدينة , في الإشباع الذاتي , والاعتماد علي الذات , في وصول شعب المدينة إلي الصورة المثلي , التي عليها رئيسها , الذي استكمل إنسانيته فصار عقلا ومعقولا  , وهو لا يري في ذلك ضرب  من المعجزات أو المستحيلات , ولكنه قابل للتحقق بالفعل , عندما يسمو الإنسان إلي درجة الامتزاج بالعقل الفعال .


مدينة "الفارابي " إذن , هي مدينة قدت من الحكمة والعلم والعدل والعقل والتعاون , وهي مدينة اصطنعت رئيسها لنفسه , علي شاكلتها , ومضت تحرس قيمها , بأن وضعته صورة لها في مرآة الحياة , ووضعت صورته قبلة لها في مرآة الواقع .


أنها ليست الحلم الغائب أو المستحيل , ليست الأمل المقهور أو المقبور ,كما أنها ليست اليوتبيا , التي تتنزل فوق الأرض , مدينة مكتملة من السماء , ولكنها ومضة العقل النقدي , المؤسس للفلسفة العربية الإسلامية , والذي يعكس في توهجه ولمعانه , قيم العروبة والإسلام , صافية , نقية , مساواة , وتعاونا وجمالا وسعادة , وعدلا وسلاما وحرية ..


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :


"ليس من العدل أن نكون دولة فطرية تقول بالإيمان, دون الاعتراف بخلق الله, ليس من العدل أن نكون دولة فطرية وطنية, ولا وطن, ليس من العدل أن نكون دولة فطرية متطورة علي حساب الأمة القومية , بل أن العدل أن نكون أمة قومية تحمل رسالتها الخالدة في الإيمان , والجمال إلي الإنسانية , حيث دورها في العدل والسلام والحرية" .


لقد أخرجت المقولة العدل , من قياسه الفردي المغلق , إلي صورته الكلية المفتوحة , باعتباره قانون الوجود ذاته , فهو الحق والمساواة والتوازن , وهو رمانة ميزان السلام والحرية ,وبالتالي فإن المحدد لمنسوب الاستقرار , سواء بالمعني السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي , علي المستوي القطري أو القومي أو الدولي , لكن العدل في مفهومها , ليس صيغة نظرية , وليس خطابا مرسلا , إنه الحق في حيز التطبيق العملي , إنه التوازن في صيغ الواقع المادية , إنه إلغاء المسافة بين النظرية والتطبيق , بين الإيمان وبين تجسيده فعلا , بين المعلن والمضمر , بين اللغة والواقع , إنه إزالة التناقض بين التكتيك والإستراتيجية , بين الأقوال والأفعال , بين القانون وبين المشروعية , ولهذا ليس عدلا , وليس العدل , أن نقول بالإيمان دون تحقق شروط هذا الإيمان , لنجسده في الواقع بالاعتراف بخلق الله , ولهذا _أيضا _ ليس عدلا , وليس من العدل , أن نؤمن بالقومية العربية , وأن يبقي إيماننا مهجورا ساكنا في قوالب اللغة , أو متاحف التاريخ , نستعيده كالسيوف الصدئة , لنعلقه علي صدورنا في الصور التذكارية أوسمة استحقاق وجدارة , فالإيمان وحده دون ترجمته إلي فعل , يبقي مجرد اعتراف مقنع بالعجز , وشاهد علي غياب القدرة , واضمحلال الطاقة , وضعف المكانة , ونكوص الإدارة , وبالتالي تنكب الطريق .


ولهذا_ أيضا _ ليس عدلا , وليس من العدل ,أن نكون دولة قطرية متطورة علي حساب الأمة القومية , لأن العدل لا يتحقق إلا في سياق المساواة , وفي إطار التوازن , ولأن فتح الباب أمام فعل قانون النمو غير المتكافئ , أو غير المتوازن فوق خارطة الأمة , إنما يبطل شروط القومية ذاتها في الواقع , لأنه يفسد قواعد الوحدة , ويشطر المركب القومي الواحد , إلي أبنية مختلفة في النمو والقدرة والمكانة والثروة , وبالتالي فإنه إنما يعمد إلي إنتاج عوامل الانفصال , والانقسام ,والتشرزم والانكفاء , ويتيح لغيره , فرصة أن يقوم بتغذية الأمة , عقلا , وبدنا , وروحا , بها .


إذا لم يكن ذلك كله عدلا فما هو العدل , إنه متوحد في جوهر قصده الإستراتيجي , إنه الأمة القومية في حيز الإيمان وحيز الوجود , وحيز التعبير , وحيز الفعل ,وحيز الرسالة , لكن المقولة تخلع علي رسالة الأمة صفة الخلود , فهل هو يعني صفة الأبدية , أي أنها الرسالة القائمة , الباقية , المتصلة , المتواصلة , إلي يوم الدين؟. يقول تعالي" ويطوف عليهم ولدان مخلدون " , فهل صفة الخلود هنا تعني القيام , والبقاء , والاتصال ,والمواصلة , في الزمن اللانهائي المفتوح , أن ذلك بعضا من معناها , ولكنها تعني فوق ذلك , التجدد , وبقاء الشباب , كما تعني النضارة والحيوية , أي أنها تعني علي نحو أخر , القدرة علي عزل التأثيرات السلبية للزمن , ولكن الإحالة هنا , ليست للزمن البيولوجي , أو الزمن الذاتي , أو الزمن الحسابي , وإنما للزمن الموضوعي , بروافده المختلفة , للزمن السياسي , والاجتماعي و الاقتصادي , والعلمي والثقافي , والمعرفي , أي لتراكمات الزمن , التي تخلق التحولات الكيفية في الحياة , لتكون صفة الخلود مرتبطة بالقدرة علي التعامل مع هذا الزمن وروافده , أن هذا الزمن ليس غلافا للوقائع , ولكنه إيقاعها الداخلي , ووقعها الخارجي الفاعل المؤثر , والخلود هنا ليس بعدا غيبيا أو ميتا فيزيقيا في هذه الرسالة , ولكنه بعد يتعلق بجوهرها وكينونتها , أي بقدرتها علي إخصاب ذاتها , وتجديد رؤيتها , وتفعيل أدواتها وأسلحتها , وآليات تفاعلها مع المتغيرات الهائلة والعاصفة في البيئة الإقليمية والدولية من حولها , أن مفهوم القوة ذاته سواء أكانت مادية أو معنوية , ينطوي علي مستويين , القوة ونقيضها , أو القوة , ومقاومتها و, فليس ثمة قوة , لا ينبثق عنها , نقيضها , وليس ثمة قوة , لا تتخلق قوة مضادة لها , أو مقاومة لها , وبين القوة ونقيضها , القوة ومقاومتها , مساحات تفاعل , ومواجهة , واحتراب , بل وافتراس , وفي هذه الرسالة المفتوحة لعمل الرسالة , وفعلها , تبقي الفاعلية , ومن ثم الديمومة والبقاء , مرتهنة , بالقدرة علي التجديد , و التجدد, علي التحديث , ومواكبة الزمن , لأن بقاء  الرسالة , إنما يعني الحفاظ عل ثبات نواتها المصلبة , وفي الوقت ذاته , الإبداع المتصل لخلق صيغ وأدوات وآليات متغيرة تمكنها من التعبير و التأثير و الفعل , في عالم متغير .


تمضي المقولة بعد ذلك من أركان العدل إلي سقفه في الفضاء القومي , الأمة التي تحمل رسالتها المتجددة , النضرة , بكل أبعادها الإنسانية , لتلعب دورها الحضاري التاريخي في الفضاء الإنساني كله , عدلا وسلاما وحرية , وهذا الدور مشروط بحضور الأمة , فحضورها علي هذا النحو هو جوهر رسالتها وجوهر دورها , ومفتاح انتصارها أيضا.


ولهذا فإن حملة الإكراه المادي والمعنوي ضد هذه الأمة , إنما تتمحور إستراتيجيتها حول تصفية الفكرة القومية العربية , سبيلا إلي تصفية الكيان القومي ذاته , فلا تجديد ولا تجدد ولا بقاء للرسالة , بغير قوتها الفكرية والمعنوية , ولا بقاء للكيان القومي ذاته , بغير الرسالة .


لقد استرشدت الإدارة الأمريكية , في بناء هيكل استراتيجيتها في الإقليم , علي دراسة هامة لمؤسسة الدراسات الاستراتيجية المتقدمة في الولايات المتحدة , حملت عنوان " التعامل مع دول متداعية " , بل أوصلت الدراسة في نتائجها هذه الدول العربية من توصيفها بالتداعي , إلي توصيفها بأنها " وحدات اصطناعية" , ولذلك يتحتم من منظورها هدم هذه الوحدات , وإعادة بنائها سياسيا , واجتماعيا , وجغرافيا , واقتصاديا , وثقافيا , علي أسس طبيعية مستحدثة .


لكن ما هي القواعد التي ستحكم من منظورها , عمليات هدم ما هو مصطنع , وبناء ما هو طبيعي , تجيب الدراسة بالحرف الواحد : " إن المعركة لإعادة تعريف العراق , والسيطرة عليه , هي بالاستتباع , معركة للسيطرة علي ميزان القوي في المنطقة علي المدى البعيد " , لماذا أيضا , تضيف الدراسة : " لأن القومية العربية لا يمكنها المصالحة مع الغرب , ولا مع التحديث , ولأنه ينبغي صياغة واستحداث جملة من أشكال الهوية , فوق القومية , وتحتها , وهي التي ستحدد الشرق الأوسط , في المستقبل ".


المقابل الاستراتيجي _ إذن _ هو نفي الهوية القومية العربية , تجريد الأمة العربية من هويتها , وبالتالي من رسالتها , وبالتالي من كينونتها , أما الطريق إلي ذلك , فالإشارة إليه , هي مزيج من الانحطاط السياسي و التبجح الفكري أقصد استحداث جملة من أشكال الهوية , فوق القومية, أي هوية شرق أوسطية _ مثلا _ وتحت القومية , أي إيقاظ جميع الهويات المطمورة , عرقيا , وطائفيا , وطبقيا , باختصار تفريغ العقل العربي من خلاياه , الحضارية التاريخية , وإعادة شحنه بخلايا فوق قومية وتحت قومية , ونفي الهوية , واستحداث هويات جديدة , يعني تفي الذات , فالهوية في قواميس الفلسفة الحديثة , تعرف علي أنها : ما يعرف الشيء في ذاته , دون اللجوء إلي عناصر خارجية لتعريفه , وفي المعني العجمي الحديث , فإنها مقابل الذات , بل هي نفسها , فهوية الشيء , ذات الشيء وحقيقته وماهته


أن هذه العملية الاستراتيجية المضادة المركبة , هي ما تواجهه مضامين المقولة السابقة , أنها تعيد بناء القوة المادية والمعنوية , مقابل نقيضها , الرسالة مقابل الغياب الحضاري التاريخي , الكيان القومي مقابل التفتت والانحدار والتشرزم بل والضياع , الهوية القومية , مقابل المسخ والمحو والغزالة , أما العدل فهو صخرة الثبات الراسخة , التي ينبغي أن تتمسك بها أيدي , الهوية , و الكيان , والرسالة , ومن ثم الدور الحضاري في العدل والسلام والحرية .


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد , موصولة المبني والمعني , بالمفاهيم والقيم السابقة كلها :


" وحسبك بالعدل والسلام والحرية  أن تمت كلمة حق عربية , تصبو للإيمان و العدالة نوعية وسطي , تنأي عن الهوى بالحرية , وسلام عوذه الإيمان بالله , وقضية مثواها جامعة إنسانية , تؤس لإسهامات حضارية , أركانها قيم تتسامي في الحب والجمال والأزلية " .


كما تحدثت المقولة السابقة عن الدور الحضاري , والرسالة القومية العربية للإنسانية تتحدث هذه المقولة عن جامعة إنسانية تؤسس لإسهامات حضارية , محددة الأركان , بقيم تتسامي في الحب والجمال والأزلية , إن تعبير جامعة إنسانية  في حد ذاته , كاشف عن دلالة هذا الاندماج الإنساني , الذي يسقط الحدود والمسافات , واللغات , والفواصل , سعيا إلي بلورة أواحد الوحدة الإنسانية , أو علي وجه أكثر دقة , إلي التفاعل الإنساني المفتوح , الذي يصهر المعارف و القدرات , والطاقات , في بوتقة مشتركة هي هذه الجامعة , ليؤسس لمستوي جديد , ورفيع , من حوار الحضارات وتفاعلها وإخصابها ببعضها , شرط أن تكون عملية الحوار والتفاعل  ومن ثم الإخصاب المشترك , يقف علي أركان ثابتة , للقيم الإنسانية الأساسية , لكي يمتلك منتوجها الحضاري , أجنحة قوية , تحلق به في سماوات مفتوحة , في الحب , والجمال , والأزلية , فاختيار الحب والجمال والأزلية , يعكس وعيا بالغ الخصوصية و التميز , لا،ه يمسك علي نحو مباشر , بما هو  مشترك وثابت , وقابل للتحليق , بعيدا عن التفاصيل الصغيرة والتضاريس المتباينة , والألوان المتناقضة ,  أو المتباعدة , وفسيفساء الجغرافيا , وحواجز التاريخ , إنها بحار السباحة الإنسانية الحرة , التي تشترك في المنبع والمجري والمصب , الوجدان الذي يتدفق فيه دفء النبض , والجمال الذي تشرق فيه شمس الروح   , وجذر الشجرة الإنسانية الواحد الذي ينتهي في الأزل , وتتدفق من عصارته تلك الثمار الحضارية , التي تضيء أقمارا في فضاء السماء المشتركة الواحدة  .


أن صور القضية الأساسية في التاريخ الإنساني هي نفسها صور هذه الجامعة الانسانية , أنها مثواها كما تقول المقولة , اللحمة الإنسانية , الإنسانية الأزلية , الأصل والوجدان والروح, لكنها صور مطمورة في الضمير الإنساني


, أو مطمورة في اصل الأنواع منذ فجر هذا الضمير , الذي ما هو الرابط بين هذا التفاعل الحضاري المفتوح , في إطار هذه الجامعة الإنسانية وبين الإيمان , وبينه وبين السلام , وبينه وبين النأي عن الهوى بالحرية , لقد ربطت المقولة علي نحو جازم بين السلام والإيمان , فالسلام في نطاقها عوذه , أي حارسه وحاديه , هذا الإيمان , لكن الإيمان و العدل معا , هما المتمان لكلمة حق عربية , تنتج حرية مسئولة , وسلاما مستقرا , وتفاعلا حضاريا خلاقا .؟ أن ذلك كله إنما يعكس جانبا عميقا من صورة الوعي القومي العربي , فقد تخلي الوعي الأوروبي عما أبدعه هو نفسه , لقد أكتشف الزمن كما اكتشف العقل والتاريخ والحرية , ولكنه أسقط الزمن , عندما أنتهي إلي فهم العقل عن الإيمان و الحرية عن التاريخ , والعدل عن القيمة , والعقل والحرية والتاريخ والقيمة عن المعني في ميدان التفاعل بين الحضارات , ولهذا أنغلق علي نفسه , ثم اغتراب , وعدمية , و نفعية  , لقد استمدت المعني , أو عن الفكرة , وشغلت الحضارة الرومانية نفسها لتوكيد سلطتها , وتشييد إمبراطوريتها , وبسط نفوذها , علي التخوم الواسعة من حولها , بالبحث عن القانون وتوظيفه لخدمة سيطرتها ومنتوجها , لكن الحضارة الغربية التي أسقطت الزمن , أو بمعني أدق , أسقطت المعني انتهت إلي البحث عن المنفعة واللذة , يبدو الأمر بالغ الاختلاف , من خلال أحد أبعاد الوعي القومي العربي , الذي تبلوره المقولة .


فتحقيق التقدم المادي , والحضاري , لا معين له , كي يواصل تراكماته , وتحولاته , وتجلياته , غير معين لا ينضب من النداء الروحي , والكمال الأخلاقي , وهذا البعد الذي نتحدث عنه في صورة الوعي القومي العربي , مرتبط بهذا الفهم أو قل المفهوم العميق , فالفلسفة العربية الإسلامية , حاصرت التناقضات المفتعلة بين الوحي والعقل والطبيعة , بأن وصفتهم علي الدوام , في موضع توافق , إذا لم يكن في موضع اتفاق , وعلي هذه القاعدة التوافقية , وحدها يمكن الربط الجازم بين السلام والإيمان , وبين الإيمان والعقل , ذلك أن الإيمان في صورة الوعي القومي العربي , وفي منتوج الحضارة العربية الإسلامية , هو العقل , والعقل  هو الإيمان , وليس ثمة فاصل بينهما , وكأنهما الدالة الحقيقية علي وحدة الوجود .


 أن الحديث في مجمله هو حديث في الهوية , أنه كشف لأبعادها , تحقيق لصورة إدراكها لذاتها , تبيان لوعيها بجوهرها , فالهوية عموما , هي ما يميز ويجمع , وما يصل ويفرق في الوقت ذاته , ذلك أنها تحصن نفسها دوما , بآلية خاصة , هي آلية القبول والاستبعاد .


لكن محاولات إتلاف الهوية , ليست وقفا علي القوي الخارجية الطاعة , وإنما تلعب قوي الاختراق في الداخل دورا لا يقل خطورة وتأثيرا عن محاولات الأولي , ولقد تعرض ابن خلدون لدور هاتين المجموعتين من العوامل في التأثير علي الهوية في كتابه الذي مثل بنية علم الاجتماع الحديث في العالم كتابه ( العبد وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ) , ولما لم تكن مصطلحات الهوية والقومية وغيرها , قد أصبحت عملة معتمدة في الدراسات الاجتماعية التي لم تكن قد ظهرت إلي حيز الوجود بعد فقد صك ابن خلدون حملات لغوية خاصة , تحيط بالمعاني ذاتها التي شحنت بها المصطلحات الحديثة , وهو ما يستدعي التعامل معها بفهم أوسع وأعمق , وذلك علي شاكلة مفردة " العصبية " , التي ترد في سياق الظواهر الاجتماعية , التي يرصدها مشبعة بدلالة ومعني كلمة ( القومية )  , أو العمران التي تكاد أن تكون , في أحيان مقابلا لكلمة التنمية , وفي أحيان أخري مقابلا لكلمة التحديث , فقد سما علمه الجديد تماما " علم العمران البشري " , أو استخدامه كلمة " العوارض " , مقابلا لكلمة " الظواهر " الخ .. أو لاستخدامه تعبير " الاجتماع الإنساني " ,وعلاقته بالجغرافيا , قبل خمسمائة عام من ظن " دوركايم " أنه ألف بابا جديدا في علم الاجتماع اسماه " المورفولوجيا الاجتماعية "


يقول ابن خلدون : " واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصفة , غريب النزعة , غزير الفائدة , أعثر عليه البحث , وأدي إليه الغوص , ويتألف كتاب العبر من سبعة مجلدات , ويطلق على المجلد الأول منه " مقدمة أبن خلدون " , التي تشمل جميع ظواهر الاجتماع الإنساني , ويشتمل المجلد الأول على تمهيد وستة بحوث رئيسية أو فصول رئيسية , في :  " العمران البشري على الجملة" , و " العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل" , "الدول العامة و الملك والخلافة " و " البلدان وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهر " , وتشتمل كل منها علي عشرات الفصول الجانبية تصل في جملتها إلي مائتين وتسعة وتسعين فصلا , فهو يعرض _ مثلا _ في الفصلين الثالث والخامس , للظواهر الاقتصادية , في فصول جانبية , تحمل عناوين : " فصل في الجباية وسبب قلتها وكثرتها , فصل في ضرب المكوس أواخر الدولة , فصل في أن التجارة من السلطان معزة بالرعايا , فصل في أن ثورة السلطان وحاشيته إنما تكون في وسط الدولة , فصل في أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية , فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران , إلخ ...


وحسبنا في هذه الإشارة إلي موضوع الهوية , أن تتوقف للتدليل عند فصل جانبي واحد من فصول المقدمة , وضع له _ كسائر الفصول _ عنوانا , لا يخرج عن كونه , قانونا سياسيا واجتماعيا , يسعى بعد ذلك إلي البرهنة على صحته , يقول العنوان : " فصل في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء " .


ثم يضيف أبن خلدون : " والسبب في ذلك والله أعلم , ما يحصل في النفوس من التكاسل , إذا ملك أمرها عليها , وصارت بالاستعباد آلة لسواها , وعالة عليهم , فيقصر الأمل , ويضعف التناسل , والإعمار إنما هو عن جدة الأمل , وما يحدث منها من نشاط في القوي الحيوانية , فإذا ذهب الأمل بالتكاسل , وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ( بمعني القومية ) ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم , تناقص عمرانهم , وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم , وعجزوا عن المدافعة ( أي المقاومة ) عن أنفسهم , بما خضد الغلب من شوكتهم , فيصبحون مغلبين لكل متغلب , طعمة لكل آكل , وسواء أكانوا حصلوا علي غايتهم من الملك , أو لم يحصلوا " .


ويضيف ابن خلدون : " وفيه , والله اعلم , سر أخر , وهو أن الإنسان رئيس بطبعه , بمقتضي الاستخلاف الذي خلق له , والرئيس إذا غلب علي رياسته , وكبح عن غاية عزه , تكاسل حتى عن شبع بطنه , وري كبده , وهذا موجود في أخلاق الأناسي , ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة, وأنها لا تسافر إذا كانت في ملكة الآدميين , فلا يزال هذا القبيل المغلوب علي أمره , في تناقص واضمحلال إلي ان يأخذهم الفناء , والبقاء لله وحده " , قبل أن يضيف في موضع أخر : " والمغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب في مأكله ومشربه وملبسه وكافة صنوف حياته " .


يلخص ذلك كله في كلمة واحدة , وهذا هو ( الانقياد ) , وهو ا يبدو أكثر شمولا وإحاطة بما يعتري الهوية ذاتها , من تغيير , وإتلاف مصطلح حديث وهو " التبعية " . أما آفة ذلك كله , فهو الجور , وغياب العدل , وفقدان الخصوصية , وإتلاف الهوية القومية , والهزيمة المعنوية قبل المادية , التي تعني تحطيم الإرادة القومية , أو ما أطلق عليه أبن خلدون " الانقياد " , وما أسماه في موضع آخر , ذهاب " العصبية بالقلب الحاصل " , والعجز عن " المدافعة " , أي اضمحلال القومية , وفقدان إرادة المقاومة .


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :


" تتسألون عن العلي المجهول , وعن الغيب ,وما في العقول , لدرك المعارف , وموضوع الحقيقة , وحال الحامل والمحمول , في مشهد الممكن والمأمول , إن كنتم بالله لا تشركون , وللقومية تتساءلون , بالعدل والسلام والحرية " .


أن المفصل الأساسي في هذه المقولة , هو تعبير ( في مشهد الممكن والمأمول ) , وذلك أن كلمة المشهد غير الصورة , فالصورة تنطوي على بعدين , رأسي وأفقي , أما المشهد فإنه ينطوي عل ثلاثة أبعاد , الرأسي والأفقي والعمق , لكنه عندما يكون المشهد بين حالتين أو وضعين متقابلين هما في المقولة الممكن والمأمول , هو ينطوي على بعد رابع أي عن زمن , فتعبير المشهد هنا تعبير عن مكان وعن زمن , أي عن حركة , وهي حركة بين حالتين , أو وضعين أو قطبين , هي الممكن والمأمول , أن الممكن هو ما يبدو بالمعطيات القائمة قابلا للتحقق , أما المأمول فهو الذي يدخل في نطاق الأمل العظيم البعيد , الذي يحتاج تحققه إلي الاستجابة لشروطه في الواقع يقال لما في القلب مما ينال من الحيز أمل .


وفي محيط هذا المشهد تتزاحم الأسئلة على الجانب الأول له , ثم تري الإجابات على الجانب الآخر ل وهي تبلور شروط التحول بين الحالتين أو الوضعين , الممكن والمأمول , إنها شروط الحركة , والتقدم تبدأ المقولة  بـ " تتسألون عن " أي يسأل بعضك بعضا , والتسأول هو استدعاء معرفة ,أو طلب ما يؤدي إلي معرفة , " واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام " , " قد أوتيت سؤالك يا موسي" . أن محيط التساؤلات واسع وعميق , فهو عن الكلي المجهول , وعن الغيب ,  وما في العقول , وحال الحامل والمحمول , أن المجهول هو نقيض المعلوم , " فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة " , والغيب هو كل ما غاب عنك , سواء أكان محصلا في القلوب أو غير محصل " الذين يؤمنون بالغيب " , فالغيب محل إيمان لأنه محصل في القلوب , ولكنه يمكن ألا يكون محصلا , " وألقوه في غيابات الجب " , أما العقل , فيعرفه " الراغب " بأنه القوة المتهيئة لقبول العلم , يقول تعالي " وما يعقلها إلا العاقلون " , ويقول " صم بكم عمي فهم لا يعقلون " , فربط بين انغلاق العقل وغياب الحواس , والعقل هو القلب أيضا , ولهذا فإن الإيمان و العقل واحد في الفلسفة العربية الإسلامية , يقول تعالي " لمن كان له قلب " , أي عقل , وهو في العربية أيضا يعني الملئ والحصن , وقال الإمام علي رضي الله عنه : العقل عقلان, مطبوع ومسموع , فلا ينفع مطبوع إذا لم يكن مسموع , كما لا ينفع ضوء الشمس , وضوء العين ممنوع " , أي، أزمة اللا عقل , ليست في المعقول , إنما في العاقل أو العقل , ووظيفة العقل هنا هي درك المعارف وموضوع الحقيقة , وحال الحامل والمحمول , أما الدرك فهو غاية عمق الأشياء  , " لا تخاف دركا ولا تخش " , " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " , أي يحيط بها إحاطة كاملة  شاملة , أما المعارف جمع معرفة , فهي ما يتم التوصل إليه بتفكر وتمعن ودراسة , أي إنها أكثر خصوصية من العلم , والمعرفة والمعارف , تشتمل على معني الحسن والطيب , " ويدخلهم الجنة عرفها لهم " , أي طيبها , أما الحامل والمحمول , فإن كلمة الحمل تستخدم في الأثقال عامة , سواء أكانت محمولة في الظاهر أو الباطن " فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم " , أي ما كلف به , وما أوحي إليه , وما كلف أن يبينه ويعلنه ويظهره , " إنا عرضنا الأمانة علي السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها , وحملها الإنسان  "  , والمعني هنا أن السموات والأرض , انصاعتا وأديتا الأمانة , ولكن الإنسان لم يؤدها , " وساء لهم يوم القيامة حملا " ,وحملته الرسالة أي كلفته بها , " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " , في الجانب الآخر من المشهد , تتري الإجابات , لكي يتحول الزمن إلي حركة , تدفع الممكن في اتجاه المأمول , والإجابات بالغة التحديد , فأول قوة أساسية دافعة للتحول , مشروطة بعدم الشرك ,أن كنتم بالله لا تشركون , يقول تعالي " أن الشرك لظلم عظيم " , أي أن الشرك في ذاته نقيض العدل , وأشرك بالله أي كفر بأن جعل له شريكا في ملكه ,وقد فسر أبو العباس قوله تعالي " والذين هم مشركون " , بأنهم أولئك الذين صاروا مشركين بطاعة غير الله , أما القوة الأساسية الثانية الدافعة إلي التحول , من حالة الممكن إلي حالة المأمول , فهي بدورها مشروطة , بالقومية المشروطة , بدورها بأركان ثلاث , هي العدل والسلام والحرية , .


هكذا يمكن للنقلة الكيفية أن تتحقق , ويمكن أن يقطع المسافة في اتجاه المأمول , وان يتطابق معه , , ليصبح الزمن وعاءا للتحول والتغير , والتقدم , وليس جرد غلاف للوقائع .


أن مسائل الهوية , و التحول , والتغير , والمقاومة , و العدل , والإيمان , والسلام , والحرية , والتي تزاحمت في أفق مقولات التجمع القومي الموحد , ترتبط ارتباطا وثيقا , بمسائل الدولة , و السيارة , و أنماط النظام الدولي , و التكنولوجيا , والأمن القومي , وغيرها , من المسائل التي عزت تمثل تهديدا , استراتيجيا , أو باتت واقعة تحت التهديد .


أن أوضح مظاهر غياب العدل علي المستوى الدولي , هو شيوع ظاهرة "اللامساواة  المتطرفة "التي تؤدي إلي أشكال جديدة من الخلل العام, في توازنات النمو علي مستوي العالم , وهي أشكال تهدد علي نحو غير مسبوق الاستقرار السياسي والاجتماعي  على المستوي الدولي , فقد أضحي الاستغلال العنصر الحاكم للعلاقات الاقتصادية , والثقافية النابعة من تحولات النظام الدولي الجديد , أن أربعين بالمائة , من السكان الذين ينتمون إلي أفقر بلدان العالم لا يزيد نصيبهم عن ثلاثة بالمائة من إجمالي التجارة الدولية , بينما يستحوذ ستة عشر بالمائة من سكان العالم علي خمسة وسبعين بالمائة من إجمالي هذه التجارة , وبينما يمتلك ثمانون بالمائة من دول العالم ما يساوي خمسة عشر بالمائة من مجموع المدخرات العالمية , يمتلك عشرون بالمائة من دول العالم , ما يساوي خمسة وثمانين بالمائة من مجموع المدخرات العالمية , يضاف إلي ذلك أن النزوع إلي اللامساواة  , وإلي النمو غير المتكافئ , قد أصبح أكثر الحقائق وضوحا في ظل العولمة , فقد كان الفرق بين نصيب الفرد من أبناء الخمس الغني في العالم , قياسا إلي نصيب الفرد من الخمس الأكثر فقرا , لا يزيد قبل ربع قرن عن ثلاثين بالمائة , بينما وصل الآن إلي ما يساوي ثمانية وسبعين ضعفا , وإذا كان متوسط دخل الفرد في المنطقة العربية , قد شهد خلال عقود الخمسينات و الستينات والسبعينات من القرن الماضي ارتفاعا بمقدار ثلاثة أضعاف , فقد تجمد رقميا علي وضعه خلال الثمانينات والتسعينات ,وإن كان في الحقيقة , قد تراجع موضوعيا رغم بقائه شكليا علي حاله السابق بحكم ظواهر عنيقة , لإعادة تمركز الثروة وأمواج التضخم , وارتفاع أسعار الواردات وهو ما يجعل معيار متوسط دخل الفرد ذاته , مجرد مقياس شكلي مخادع .


إن العالم يعود فيما يبدو إلي تلك الأوضاع الغابرة التي واكبت بدايات النظام الرأسمالي في مرحلة الثورة الصناعية , والتي أخذت في الذهاب إلي متحف التاريخ , منذ منتصف القرن التاسع عشر , حيث يعكس هذا التفاوت الهائل بين الدول نفسه , في مظاهر خلل مركب تعتري التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة الواحدة , فعلي مدار السنوات العشرين الماضية حصل عشرين بالمائة من أغني العائلات الأمريكية علي ما نسبته سبعة وتسعين بالمائة , من الزيادة في الدخل القومي , وبينما وصلت إلي أربعة بالمائة صاحبها انخفاض في دخول الخمس الأمريكي الأفقر بنسبة أربعة وأربعين بالمائة , في الوقت الذي تستعر فيه ظاهرة تمركز الثروة , في الولايات المتحدة , فقيل ربع قرن كان ثلاثة عشر بالمائة  من الأمريكيين , يملكون أربعة بالمائة من الثروة , أصبحت هذه النسبة مملوكة لواحد بالمائة فقط من إجمالي المواطنين الأمريكيين  , بينما يعيش داخل أحزمة الفقر , حسب التصنيف الدولي , سبعة وثلاثون مليون أمريكي .


إن ظواهر تمركز الثروة , واستقطاب العائد , واللامساواة المتطرقة , تنعكس علي نحو علي الأوضاع الاجتماعية , تفككا وجريمة , لارتباطها مباشرة , بأوضاع الشغل والبطالة , ولقد أجري باحثان أمريكيان هما ستيفن رافائيل من جامعة كاليفورنيا , ورودلف فرتر  من جامعة لندن , دراسة لتقنين انعكاسات الظواهر الاقتصادية السابقة علي نسب البطالة , وانعكاسها بالتالي علي الأوضاع الاجتماعية , من خلال الإحصائيات الرسمية الواردة بتقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي عن الجريمة , علي امتداد ثلاثة وعشرين عاما , وانتهيا إلي أن زيادة البطالة  بنسبة أثنين بالمائة فقط , تؤدي تلقائيا إلي زيادة جرائم السرقة بنسبة تسعة بالمائة , والاغتصاب بنسبة أربعة عشر بالمائة , وجرائم الاعتداء علي النفس بنسبة ثلاثين بالمائة .


ومن الطبيعي في ضوء تمركز الثروة عند القمة , وتراكم الفقر والعوز في الطبقات الدنيا , أن ينفق المواطنون الأمريكيون علي حراسهم المسلحين , ضعف ما تنفقه الحكومة الأمريكية علي أجهزة الشرطة , فهناك ثمانية وعشرون مليون أمريكي قد حصنوا أنفسهم في أبنية , وأحباء سكنية معزولة ومخفورة , بل أن إنفاق ولاية واحدة هي كاليفورنيا , التي تحتل المرتبة السابعة في قائمة القوي الاقتصادية في العالم , على السجون يفوق المجموع الكلي لموازنة التعليم .


أن البطالة في اليابان قد تجاوزت نسبة عشر بالمائة وهو الرقم ذاته الذي يمثل الحد الادني لنسبة البطالة في أوروبا , حيث تتراوح بين عشر بالمائة وخمسة عشر بالمائة , بعد دخلت التكنولوجيا المتطورة , إلي جانب الظواهر الاقتصادية السابقة , في إلقاء مزيد من العاملين علي أرصفة سوق العمل , بعد أن زادت معدلات إحلال الآلات مع العمل والموظفين , في نمط إنتاجي جديد , يحكمه نظام يتميز بالسرعة الفائقة , وبإنتاج كثيف المعرفة , لم يعد كسابقة ميكانيكيا أو طوليا أو خطيا في إطار نظام ثابت , وإنما غدا مركبا ومتصلا , وشبكيا , ومتغيرا , ولم يعد الإنتاج كثيف العمالة , كما لم يعد تدني أجور العمال محفزا علي نقل خطوط الإنتاج , التي ينبغي أن ترتبط مباشرة بأسواق الاستهلاك , فالعمالة الرخيصة ذات المستوي التعليمي المنخفض أو المتوسط لم تعد مجزية في حسابات الإنتاج , أن تكلفة العمالة في عملية الإنتاج علي المستوي الدولي , تصل إلي خمسة عشر بالمائة من التكلفة الإجمالية للمنتج , بينما تصل تكلفة النقل إلي سبعة ونصف بالمائة , وهذا يعني أن نمط نقل عملية الإنتاج , من المراكز الدولية إلي الأطراف , والتي سادت في النصف الأخير من القرن العشرين , لم يعد قابلا للبقاء , إلا بتوفر شرطين أساسيين , هما : توفر عمالة عالية  الجودة , في الأطراف , وتدني  أجورها في الوقت ذاته , بحيث لا تزيد عن خمسين بالمائة من أجور المستوي نفسه من العمالة , في المركز .


إن الأدبيات السياسية والاستراتيجية الجديدة , تتحدث عن المجتمع اللامكاني , ولكنها تتحدث عن الرصيد المعرفي القومي , الذي تبقي له الغلة في تحديد المكان , داخل اللامكان.


إن واحدا من ألمع وجوه الفلسفة الفرنسية المعاصرة ( فوكو ) هو الذي رأي بوضوح كامل " إن مبدأ القتل من أجل العيش , الذي كان يسود المجتمعات البدائية القديمة  , في طريقة إلي السيادة من جديد " , غير أن مبدأ القتل قد أصبح مختلفا , فقتل الآخر بمعني الإبادة الجماعية , أصبح أكثر تكلفة , ولكن قتل الآخر بمعني قتل الذات , وقتل الهوية , والخصوصية , قتل التراث والثروة , والتهميش المتواصل , في مقابل التجنيس المستمر وقبل ذلك كله , تغريم الدولة القومية وتجريدها من أسباب بقائها في الواقع .


إن جميع الفجوات بين الشمال والجنوب تزداد اتساعا وجميع الفجوات داخل مجتمعات الشمال نفسه تزداد اتساعا , أما داخل دول الجنوب فإن الفجوات تتحول إلي فضاءات واسعة ,  فالمجتمع الواحد ينقسم علي نفسه إلي مجتمعين , تشرع التناقضات بينهم أمضي أسلحة الفتن والكوارث , والانقسام , لم تعد الفجوة بين الشمال والجنوب قاصرة علي فجوة الثروة , والتقسيم الدولي للعمل , وللعائد وللتجارة الدولية , والاستثمار , فحسب ولم تعد قاصرة علي الفجوة الرقمية فحسب , وإنما تمددت فجوة جديدة  هي فجوة الفجوات , إنها الفجوة الكمية , في الحسابات الكلية للقوة الشاملة , أما داخل دول الشمال ذاتها , فإن الفجوات السياسية والاجتماعية , تتمدد لتمثل مزيدا من تمركز الثروة والطرف , ومزيدا من شيوع الفقر والفاقة والبطالة .


أما عملية الانقسام والتمركز سلطة وثروة , داخل دول الجنوب فهي تأخذ منحني تراجيديا فاجعا , تجرف ثرواتها المادية , والطبيعية , وفي المقدمة ثروتها البشرية , بحكم انهيار الطبقة المتوسطة , وتصدع وانحراف الهياكل الاجتماعية , والاقتصادية , منتجة تراكما هائلا من التوتر والاحتقان الاجتماعي والسياسي , فالحادث أن الكتلة النقدية الوطنية لم تعد خاضعة للسلطة التنفيذية المحلية بعد أن أصبحت الغلبة للمكون الأجنبي أو الدولي في القرار , علي نحو يجعلها غير قادرة علي الدفاع عن قوانين حاكمة للسوق المالي , بكل مفرداته من سعر الفائدة إلي قيمة العملة الوطنية , والحادث فوق ذلك , إن تلك النموات الاقتصادية الهائلة المستجدة التي أصبحت تحتل القمة الضيقة , أعلي الهرم الاجتماعي , قد انفصلت عن فضائها الوطني , واندمجت في فضائها الدولي , وأصبحت جزء منه , فلم تعد هناك رأس مالية وطنية , بالمعني التقليدي للصفة , أي تريد أن تستقل بسوقها الوطني , في ظل أشكال مختلفة من الحماية , فحمايتها لم تعد داخل الكيان الوطني , وإنما في اندماجها الذاتي المستقل , في ذلك الفضاء الرأسمالي الدولي , الذي يفرض قوانينه الذاتية , في النمو , والعائد , وفائض القيمة , وتوزيع الإنتاج , والاستثمار , وعوائدهما , إن مفكرا اقتصاديا غربيا بارزا هو ( جندر فرانك ) هو الذي يري أنه " عندما يتحالف رأس المال المحلي في دولة ما مع الرأسمال الأجنبي فهو إنما يساهم في تخلف الدولة " , والحقيقة تخلف الدولة لم يعد يشكل قمة التراجيديا الفاجعة , وإنما تفكيك الدولة وتجريدها من أسباب بقائها , فبينما يجري الحديث لامعا عن الربط الكامل بين الديموقراطية والسوق , ويتحول السوق إلي الضابط الأعلى للعملية الاقتصادية والاجتماعية , لم يعد باقيا للدولة من وظائفها الأساسية الأربعة في النظام الرأسمالي إلا وظيفة واحدة هي القمع , إضافة إلي صورها التذكارية الملونة , التي تعكس مجدا وطنيا غابرا , أو سيادة وطنية , لم يعد لها حضورا ملموسا في الفضاء الوطني , بل أصبحت علي حد تعبير ( نيلور ) مجرد نوافذ لدخول الشركات متعددة الجنسيات , وبينما يجري الحديث مطربا , بالقرية الكونية الواحدة , تجري في الواقع أكبر عملية في التاريخ , للقمع الثقافي وفرض النمط الواحد , حضاريا , وثقافيا , وفكريا , وتفريغ الثقافة القومية , من جوهرها الفاعل , ومن خصوصيتها الحضارية التاريخية , وبالتالي تغذية عملية إنتاج التناقضات الثقافية والعرقية والمذهبية , والدينية , ثم تحويل مكوناتها في المجتمع إلي جماعات سياسية متصادمة , ومتناحرة , إن الوثائق البريطانية الرسمية هي التي تؤكد بجلاء , أن السلطات البريطانية , في أوج الظاهرة الإستعمارية , هي التي خلقت التناقضات المماثلة في إطار سقوبي , والتي ما تزال آثارها , ودوافعها باقيه إلي اليوم , من الصراع بين المسلمون والهندوس والسبخ في الهند , إلي اليونان والترك في شبة الجزيرة القبرصية , إلي الهنود والفيجيين في شبة جزيرة فيجي , مرورا بالتأميلالفصل الثالث


الــعـــــــدل


لا مراء أن اللغة العربية كائن حي , وأنها تجدد مفرداتها كما تجدد الأجسام الحية خلاياها , حيث يدرك بعضها الشيخوخة والأقوال  والموت , لكن أقول المفردات في لغة بعينها ,أو ولادة وسطوع مفردات جديدة , هي ظاهرة موضوعية , تخضع لقوانين خارج سياق اللغة , وأن ظهرت نتائجها علي نحو مباشر , في حقلها الذي يبدو مغلقا , ذلك أن انطفاء مفردات بعينها , وتحولها إلي أبنية مهجورة , أو سطوع سواها , في قاموس السياسة العامة , ليس دالة علي حيوية اللغة , بقد ما هو دالة علي طبيعة المستجدات والمتغيرات, المتصارعة فوق المسرح السياسي الاجتماعي والثقافي , وعن القوي السياسية والاجتماعية الأكثر سيادة فوق هذا المسرح , وهي تسعي جاهدة إلي إعادة صياغة الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي العام , في إطار رؤيتها ومصالحها , وأهدافها .


ومع أن عملية مفردات جديدة , أو تحويل مفردات بعينها إلي مفردات مهجورة , تأخذ إيقاعا زمنيا طويلا للغاية .


إلا أن هذا الإيقاع الزمني , أصبح سريعا وخاطفا , حد أنه يمكن نقل مصطلح " الحراك السياسي " من حقل السياسة إلي حقل اللغة , بتوصيف ظاهرة مستجدة تطول قاموس اللغة العربية , يمكن أن نطلق عليه مصطلحا مماثلا هو " الحراك اللغوي " , حيث أصبح التغيير في الاتجاهين يتسم بالقوة والسرعة علي نحو غير مسبوق , مما يشي بدور العوامل الذاتي قبل الموضوعية في دفع هذا الحراك .


لقد أخذت هذه الظاهرة , تعبر عن نفسها من خلال وجهين متجاورين :


الأول :دفع مفردات بعينها إلي حيز الذبول والأقوال , حيث أصبحت مهجورة في القاموس السياسي العام , سواء في الخطابات السياسية للأنظمة والحكومات , أو فيما يماثلها من التنظيمات المستجدة , أو تلك التي تصدر عن تيارات  المعارضة المختلفة , بما في ذلك الجمعيات الأهلية , يستوي في ذلك مفردات مثل , العدل , الحق , التراث , الطبقة العالمة , المساواة , السلام الاجتماعي , الخصوصية , القومية , العروبة.... الخ الخ .


الثاني : تفريغ مفردات لغوية من مضامينها السابقة , وإعادة شحنها بمعاني جديدة , تبدو متناقضة مع دلالاتها الأصلية , بغية توظيف  ثقلها المعنوي التاريخي , في الوجدان الشعبي والجماهيري في تمرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية , التي قد تعبر عن مصالح القواعد الاجتماعية , المنتجة العريض , وذلك علي غرار تعبير ( تحرير الاقتصاد )  , الذي يوظف فيه الثقل المعنوي لكلمة التحرير المرتبطة في العقل العام بالأرض والحقوق والسيادة , وكان العملية السياسية الاقتصادية المرتبطة بالتوجه الذي يعنيه التعبير , إنما هو استخلاص قواعد الاقتصاد الوطني , من ربقة سيطرة المؤسسات الأجنبية , لا وضع هذه القواعد في إطار استراتيجيتها المعلنة .


تبدو خصوصية الخطاب السياسي للتجمع القومي الموحد, أكثر لمعانا في هذا الحيز في الوقت الذي تعبر فيه عن مفارقة مشبعة بالدلالات , ذلك أن أكثر المفردات طمسا وإسقاط من القاموس السياسي العربي العام , هي في الوقت ذاته , أكثر المفردات حضورا , وسيادة , وجاذبية في القاموس السياسي الذي تتشكل من مفرداته الأدبيات السياسية التي يطرحها التجمع القومي الموحد. ودون ريب فإن مفردة العدل , تحتل موقعا بالغ التميز في هذه الأدبيات , كما تشكل في نسيجه علامة بارزة , ومضيئة, فوق أنها تشكل جسرا واسعا بين غيرها من المواقع المتميزة والعلامات البارزة .


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :


" علي أن ما نتلمسه , ونتبصر ظله , ونتخيل ما بعده , ونتأمل صوره ,غير كيان قومي , يتحرك في الأمة , لا يسألها عن لون أو عرق أو شكل أو ذي فرق , يميزه ميل إلي الجمال , وإيمان بالله ورسله , وعشق للحياة والخلق , هو كالرعود والعواصف والزلازل والبرق , في مثله نتساكن , ومثله الحق ,دليلنا للعدل والسلام والحرية " .


أن التلمس لا يعني فقط الاجتهاد في رؤية الطريق , وإنما يعني فوق ذلك التحقق منه , أي تكرار المحاولة والاستمرار فيها , وتطلبها مرة بعد أخري , وهو ما يعني القصد والتعمد بل والإصرار , أما التبصر فهو التأمل والتعرف والاستبيان , يقول تعالي :" أدعوا لله علي بصيرة " , ويقول : " وكانوا مستبصرين " أي تأملوا وتحققوا وأدركوا , وتبين لهم الطريق وعاقبته , والبصير من أسماء الله , وهو الذي يري الأشياء كلها خافيها وظاهرها بغير جارحة , " وجعلنا أية النهار مبصرة" , " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة " , وعندما تضيف المقولة , " نتخيل ما بعده , ونتأمل صوره" , فإنها توسع عمق الرؤية , لنري بالبصيرة ما وراء الإدراك المباشر , من تجليات هذه الرؤية , وما يترتب عليها , وما تقود إليه , وهو ليس غير كيان وطني قومي يتحرك في الأمة , فتعبير الكيان هو تعبير معنوي عن حقائق مادية ومعنوية , يتشكل من مفردات ووحدات , تشكل بدورها حالة كلية من الخصوصية , تتميز بالتفرد والحضور والتأثير .


وهذا الكيان القومي الذي يتحرك في الأمة لا يسألها عن لون أو عرق أو شكل أو ذي فرق  , فهو لم يقل ذي ميزة , لأن الحديث موصول بالصفات الأضعف , أي موصول بالمساواة وعدم التميز , يتميز بذاته ميلا إلي الجمال,وإيمانا بالله ورسله , وقد قدم الميل إلي الجمال علي الإيمان ذاته , لأن من لا يميل إلي الجمال , لا يكون مؤهلا لتذوق حلاوة الإيمان , وهو فوق ذلك يتميز بعشق الحياة , والخلق , وإضافة الخلق إلي عشق الحياة , يسقط التميز أيضا , فهو لم يستخدم كلمة الناس , وإنما قال الخلق ,أي أجمعين, فخلق الله في كلام العرب علي وجهين الأول :  الإنشاء علي مثال أبدعه كقوله تعالي " ألا له الخلق والأمر " , و الثاني التقدير كقوله تعالي " فتبارك الله أحسن الخالقين " , والخلق هو الفطرة التي فطر الناس عليها , " " لا تبديل لخلق الله " .


أما العشق فإنه ليس الإفراط في الحب فحسب , ولكنه كما تقول رسالة أبن سينا فيه , " لا يختص بنوع الإنسان بل هو سار في جميع الموجودات من الفلكيات , والعنصريات , والنباتات , والمعدنيات , والحيوانات, وأنه لا يدرك معناه , ولا يطلع عليه , والتعبير عنه يزيده خفاءا , وهو كالحسن لا يدرك ولا يمكن التعبير عنه , وكالوزن في الشعر وغير ذلك , مما  يحال علي الأذواق السليمة والطباع المستقيمة ".


 وهذا الكيان القومي , _ كما تضيف المقولة _ بما يتميز به من خصوصية , يأخذ منحي قوانين الطبيعة , عندما تكتمل آياته , وتتكامل عناصره , فهو كالرعود والعواصف , والزلازل , أنه يضيء , ويبرق , ولكنه يغير الخرائط , والمواقع , ويندفع ليغير الخرائط السياسية والاجتماعية , وبالتالي الجغرافيا الاستراتيجية , ولكننا في مثله , رغم رعوده وعواصفه , وزلازله , وبروقه ,نتساكن , فنحن جزء من بنيته , فكلمة نتساكن ليست من السكون , ولكنها من السكني أيضا , وهو المعني الأغلب هنا , فهي تعني الهدوء , والألفة , كما تعني البنية المشتركة الواحدة .


تضيف المقولة " ومثله الحق " , والحق من أسماء الله , قال أبن الأثير هو الموجود حقيقة المتحقق وجوده وآلهيته , والحق هو العدل , وهو الصدق , يقول الشافعي : " المطابقة في الحق من جانب الواقع , وفي الصدق من جانب الحكم " , وحق الأمر وأحقه , كان منه علي يقين , فحقيقة الإيمان خالصه ومحضه وكنهه , وحقيقة الشيء منتهاه , واصله المشتمل عليه , يقول تعالي :" ويحق الحق بكلماته " , فحقيقة الأمر يقين شأنه , " حقت كلمة العذاب علي الكافرين " , أي ثبتت ووجبت , وغدت حقيقة واقعة , وهذا الكيان القومي الذي نتساكن فيه , ونندمج , ونتوحد , كما نتوحد مع الحق , هو دليلنا , أي ما يستدل به , أنه الدال ,والمرشد ,والهادي ,  إلي العدل , إلي المساواة ونفي الجور والاستبداد , فالعدل ما عدل الشيء لا ما عدله , وعادلت بين الشيئين إذا ساويت بينهما , وعدله أي قومه فاستقام , يقول تعالي , " وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " , " أو عدل ذلك صياما " , فالكيان القومي هو الحق , وهو الدليل والهادي إلي نزع الظلم , وهزيمة الاستبداد , وإشاعة المساواة , كما أنه الطريق إلي السلام والحرية , فالشرط اللازم في الواقع المعاش للآمة رؤية  وفكرا وسلوكا , كي يتحقق العدل والسلام والحرية . أي لتصبح الأمة حقا وصدقا وعدلا , موصولة برسالتها التاريخية , ووظيفتها الحضارية , ودورها الإنساني , هو قيامة الحق , فهو السبيل و المعبر والجسر الذي ينقل للأمة, من صحراء التيه  , والتخبط والانقسام والاقتراب إلي جنة التوحد والعقل والتأثير , أنه الذي ينقلها أو ينتقل بها من موازين ضعف إلي موازين قوة , ومن درجات هبوط إلي درجات صعود , أما شروط هذا الحق فهي مجسدة , فيما تتلمسه , ونتبصر ظله , ونتخيل ما بعده , ونتأمل صوره, وهو الكيان القومي الذي يتحرك في الأمة , حيث لا سبيل لأن تتحرك _ هي _ إلا به .


أما مفهوم العدل التي نحن في سبيل تحقيق مدلوله في فكر التجمع القومي الموحد ,فإنه متعدد الوجوه في الفلسفة العربية الإسلامية , قال تعالي " فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم " , فرد الظلم والعدوان أحد ووجوه  , و " جزاء مسيئة مثلها " , وهذا هو المعني الأعمق في الآية الكريمة " إن الله يأمر بالعدل والإحسان" , فالعدل هو المساواة في المكافأة , ولهذا فعادله يعني وازنه , وعوله يعني قومه , " فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك " ., ونسب إلي عمر بن الخطاب قوله : " الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني كما يعدل السهم في الثقاف " . أو كما قال الشاعر يوم أحد : " فقلنا الضعف من أشرافهم ...... وعدلناه ببدر فاعتدل , أي قومناه فاستقام , يقول صاحب جواهر القاموس : " العدل : في أسماء الله سبحانه وتعالي , هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم , وهو في الأصل مصدر سمي به فوضع موضع العادل , وهو أبلغ منه لنه جعل المسمي نفسه عدلا " , ث أن العدل بعد ذلك , في أحد أهم وجوه هو القيمة , وهو ما يجعله موصولا بالمصطلح الحديث في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي علي جانب , والنظام الدولي علي الجانب الآخر .


أن تجسيد صورة العدل في عمق الفلسفة العربية الإسلامية ,الذي يمكن له أن يجسد بدوره عمق الرؤية التي يشتمل عليها المفهوم ذاته , قد تستوجب التوقف عند بعض إنتاج الفيلسوف  والمفكر العربي , الذي خطي بلقب " المعلم الثاني " بعد أرسطو , ألا وهو أبو نصر محمد الشهير بالفارابي .والذي يعتبر دون شك المؤسس  الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي , والمؤسس الأول للفلسفة العربية الإسلامية , منشيء بنيانها وواضع قواعد وأسس كافة  فروعها, والتي أنحدث من لدنه مسائل وأفكارا وقضايا , لدي جملة فلاسفة الإسلام المعروفين .


ولم يكن اهتمام "الفارابي " بقضايا الفلسفة في تجريدها , أو تجردها عن الواقع السياسي والاجتماعي , وإنما كانت اهتماماته , ودراساته , موصولة بشئون السياسة و المجتمع , ولعل ذلك أكثر ما يكون وضوحا , في كتابه  الواسع الشهرة , ( أراء أهل المدينة الفاضلة ) والذي أتمه في دمشق سنة 331 ه , وعلي الرغم من تعدد مؤلفاته وكثرتها لم يصل منها إلينا , سوي أربعون مؤلفا , ومنها : ( رسالة في معاني  العقل ) و (كتاب الجور ) و (كتاب الزمان ) و(نصوص الحكم ) و (رسالة في فضيلة العلوم والصناعات ) الخ . الخ .


والحقيقة أن كتاب (أراء أهل المدينة الفاضلة ) ليس نزوعا من صاحبه إلي الخيال , أو إلي (اليوتوبيا ) بإنشاء مدينة ليست قائمة في الواقع ,ولا إمكانية لقيامها , وإنما هو نزوع العقل النقدي إلي مواجهة مع عصره , بكل ما اشتمل عليه , من فتن وانقسام , وبعد عن روح العدل والسلام , ولذلك كان جل إهتمام الفارابي , هو أن يقيم مدينة تجسد المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها فلسفته ورؤاه للأخلاق واليقم والسعادة , وخالق الكون وما وراء الطبيعة , ولهذا إختار أن يفصل بين أفكاره الفلسفية , في الجزء الأول من الكتاب , قبل أن يضعها موضع التطبيق العملي , نموذجيا , تقتات منه نظما وأخلاقا , ورئاسة , وعملا , وعلاقات , المدينة الفاضلة التي أسسها في جزئه الثاني .


يفتتح الفارابي القسم الفلسفي النظري بتسع فقرات للبحث في الوجود الاول وهو الله تعالي :" القول نفي الشريك عنه تعالي , القول في نفي العند عنه , القول في الحد عنه , القول في أن وحدته عين ذاته , وأنه تعالي عالم وحكيم , وأنه حق وحي وحياة , القول في عظمته وجلاله ومجده , القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه , القول في مراتب الموجودات , القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمي بها الأول تعالي مجده "


ثم يمضي في بيان مراتب الموجودات وحالاتها , وصلتها بالله وببعضها , مقسما إياها إلي موجودات روحي يرتبها في ست مراتب , مرتبة السبب الأول وهو الله تعالي , ثم مرتبة العقول التسعة المحركة للأجرام السماوية , ثم مرتبة العقل الفعال في الإنسانية , تليها مرتبة النفس الإنسانية , فمرتبة الهيولي ثم مرتبة الصورة , مقدما نظرية في نظام الكون ونسقه , وإدارته تعتمد علي ما أطلق عليه " العقل الفعال " , أما الموجودات المادية فيرتبها في ست مراتب تبدأ بأجسام المدنيين وتنتهي بالمواد الأولية المشتركة , وهي الماء والهواء والتراب والنار وما جانسها


أما النسق التطبيقي الذي يشتمل علي نموذج المدينة الفاضلة , والتي يعرفها بأنها " التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون علي الأشياء التي تنال بها السعادة " وهي " تشبه البدن الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها علي تتميم حياة الحيوان وعلي حفظها عليه " , فقد أشتمل علي اثنتي عشر فقرة تحت العناوين التالية : " القول في احتياج الإنسان إلي الاجتماع والتعاون , القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة , القول في مضادات الدينة الفاضلة ( وتشمل هذه الفقرة علي أقسام : المدينة الجاهلة , والمدينة الفاسقة , والمدينة المبدلة , والمدينة الضال ) , القول في اتصال النفوس بعضها ببعض  , القول في الضالات والسعادات ,القول في أهل المدينة الفاضلة , القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة , القول في أراء أهل المدن الجاهلة والضالة ,القول في العدل , القول في الخشوع , القول في المدن الجاهلة .


ويتحدث في القول في احتياج الإنسان إلي الاجتماع , عن ضرورات " الاجتماعات الإنسانية " وعن فطرة حاجو المرء إلي قومه , مقسما المجتمعات إلي قسمين , كاملة يتحقق فيها تعاون اجتماعي كامل تتحقق بموجبه السعادة , وهو مفهوم في سياقه أقرب إلي الإشباع علي المستوي الفردي وإلي الاكتفاء الذاتي علي المستوي الوطني ومجتمعات ناقصة , التعاون فيها منقوص , وبالتالي لا تحقق إشباعا , ولا اعتمادا علي الذات , و المجتمعات ".. الكاملة ثلاث عظمي ووسطي وصغري , فالعظمي اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة _ أي علي مستوي العالم _ و الوسطي اجتماع أمة في جزء من المعمورة , والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة .. " . فهو يتحدث عن حكومة عالمية تقسم العدل وتنتج السعادة في المعمورة كلها , ثم عن حكومة أمة , ثم عن تفرد مدينة بحكومة عادلة , والمدينة هنا , لا تعني سوي بلد في أمة , ليأخذ بعد ذلك في تحديد الصفات التي يلزم توافرها فيمن يتولى منصب الرئيس في مدينته الفاضلة , مقسما هذه الصفات إلي صفات فطرية وأخري مكتسبة , فالصفات الفطرية اثنتا عشرة صفة , ممكن تلخيصها في أن يكون تام الأعضاء , جيد الفهم و التصور , جيد الفطنة , حسن العبارة , محبا للعلم والاستفادة غير شره , محبا للصدق وأهله ,كبير النفس محبا للكرامة , محبا للعدل وأهله , مبغضا للظلم والجور وأهلهما, عدلا , غير صعب القياد إذا دعي إلي العدل , صعب القياد إذا دعي إلي الجور وإلي القبيح , جسورا " .


أما الصفات المكتسبة التي اشترط الفارابي أن يتمتع بها الرئيس , فقد عدها في ست صفات , يمكن تلخيصها في " أن يكون حكيما , عالما , له جودة استنباط , له جودة رؤية (مستقبلية ) , له جودة إرشاد  , له جودة ثبات في مباشرة أعماله الحرة" . ثم أضاف إلي الصفات السابقة كلها صفة روحية , وهي " اتحاد الرئيس بالعقل الفعال , أو حسب تعبيره : " إنما يكون ذلك الإنسان أنسانا قد استكمل فصار عقلا ومعقولا بالفعل " .


يضيف الفارابي ما يضيء عمق ناس مدينته الفاضل قائلا : " وكذلك ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة : فإن أجزاءها كلها ينبغي أن تحتذي بأفعالها, مقصد رئيسها الأول " , أي أن اكتمال سعادة المدينة , في الإشباع الذاتي , والاعتماد علي الذات , في وصول شعب المدينة إلي الصورة المثلي , التي عليها رئيسها , الذي استكمل إنسانيته فصار عقلا ومعقولا  , وهو لا يري في ذلك ضرب  من المعجزات أو المستحيلات , ولكنه قابل للتحقق بالفعل , عندما يسمو الإنسان إلي درجة الامتزاج بالعقل الفعال .


مدينة "الفارابي " إذن , هي مدينة قدت من الحكمة والعلم والعدل والعقل والتعاون , وهي مدينة اصطنعت رئيسها لنفسه , علي شاكلتها , ومضت تحرس قيمها , بأن وضعته صورة لها في مرآة الحياة , ووضعت صورته قبلة لها في مرآة الواقع .


أنها ليست الحلم الغائب أو المستحيل , ليست الأمل المقهور أو المقبور ,كما أنها ليست اليوتبيا , التي تتنزل فوق الأرض , مدينة مكتملة من السماء , ولكنها ومضة العقل النقدي , المؤسس للفلسفة العربية الإسلامية , والذي يعكس في توهجه ولمعانه , قيم العروبة والإسلام , صافية , نقية , مساواة , وتعاونا وجمالا وسعادة , وعدلا وسلاما وحرية ..


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :


"ليس من العدل أن نكون دولة فطرية تقول بالإيمان, دون الاعتراف بخلق الله, ليس من العدل أن نكون دولة فطرية وطنية, ولا وطن, ليس من العدل أن نكون دولة فطرية متطورة علي حساب الأمة القومية , بل أن العدل أن نكون أمة قومية تحمل رسالتها الخالدة في الإيمان , والجمال إلي الإنسانية , حيث دورها في العدل والسلام والحرية" .


لقد أخرجت المقولة العدل , من قياسه الفردي المغلق , إلي صورته الكلية المفتوحة , باعتباره قانون الوجود ذاته , فهو الحق والمساواة والتوازن , وهو رمانة ميزان السلام والحرية ,وبالتالي فإن المحدد لمنسوب الاستقرار , سواء بالمعني السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي , علي المستوي القطري أو القومي أو الدولي , لكن العدل في مفهومها , ليس صيغة نظرية , وليس خطابا مرسلا , إنه الحق في حيز التطبيق العملي , إنه التوازن في صيغ الواقع المادية , إنه إلغاء المسافة بين النظرية والتطبيق , بين الإيمان وبين تجسيده فعلا , بين المعلن والمضمر , بين اللغة والواقع , إنه إزالة التناقض بين التكتيك والإستراتيجية , بين الأقوال والأفعال , بين القانون وبين المشروعية , ولهذا ليس عدلا , وليس العدل , أن نقول بالإيمان دون تحقق شروط هذا الإيمان , لنجسده في الواقع بالاعتراف بخلق الله , ولهذا _أيضا _ ليس عدلا , وليس من العدل , أن نؤمن بالقومية العربية , وأن يبقي إيماننا مهجورا ساكنا في قوالب اللغة , أو متاحف التاريخ , نستعيده كالسيوف الصدئة , لنعلقه علي صدورنا في الصور التذكارية أوسمة استحقاق وجدارة , فالإيمان وحده دون ترجمته إلي فعل , يبقي مجرد اعتراف مقنع بالعجز , وشاهد علي غياب القدرة , واضمحلال الطاقة , وضعف المكانة , ونكوص الإدارة , وبالتالي تنكب الطريق .


ولهذا_ أيضا _ ليس عدلا , وليس من العدل ,أن نكون دولة قطرية متطورة علي حساب الأمة القومية , لأن العدل لا يتحقق إلا في سياق المساواة , وفي إطار التوازن , ولأن فتح الباب أمام فعل قانون النمو غير المتكافئ , أو غير المتوازن فوق خارطة الأمة , إنما يبطل شروط القومية ذاتها في الواقع , لأنه يفسد قواعد الوحدة , ويشطر المركب القومي الواحد , إلي أبنية مختلفة في النمو والقدرة والمكانة والثروة , وبالتالي فإنه إنما يعمد إلي إنتاج عوامل الانفصال , والانقسام ,والتشرزم والانكفاء , ويتيح لغيره , فرصة أن يقوم بتغذية الأمة , عقلا , وبدنا , وروحا , بها .


إذا لم يكن ذلك كله عدلا فما هو العدل , إنه متوحد في جوهر قصده الإستراتيجي , إنه الأمة القومية في حيز الإيمان وحيز الوجود , وحيز التعبير , وحيز الفعل ,وحيز الرسالة , لكن المقولة تخلع علي رسالة الأمة صفة الخلود , فهل هو يعني صفة الأبدية , أي أنها الرسالة القائمة , الباقية , المتصلة , المتواصلة , إلي يوم الدين؟. يقول تعالي" ويطوف عليهم ولدان مخلدون " , فهل صفة الخلود هنا تعني القيام , والبقاء , والاتصال ,والمواصلة , في الزمن اللانهائي المفتوح , أن ذلك بعضا من معناها , ولكنها تعني فوق ذلك , التجدد , وبقاء الشباب , كما تعني النضارة والحيوية , أي أنها تعني علي نحو أخر , القدرة علي عزل التأثيرات السلبية للزمن , ولكن الإحالة هنا , ليست للزمن البيولوجي , أو الزمن الذاتي , أو الزمن الحسابي , وإنما للزمن الموضوعي , بروافده المختلفة , للزمن السياسي , والاجتماعي و الاقتصادي , والعلمي والثقافي , والمعرفي , أي لتراكمات الزمن , التي تخلق التحولات الكيفية في الحياة , لتكون صفة الخلود مرتبطة بالقدرة علي التعامل مع هذا الزمن وروافده , أن هذا الزمن ليس غلافا للوقائع , ولكنه إيقاعها الداخلي , ووقعها الخارجي الفاعل المؤثر , والخلود هنا ليس بعدا غيبيا أو ميتا فيزيقيا في هذه الرسالة , ولكنه بعد يتعلق بجوهرها وكينونتها , أي بقدرتها علي إخصاب ذاتها , وتجديد رؤيتها , وتفعيل أدواتها وأسلحتها , وآليات تفاعلها مع المتغيرات الهائلة والعاصفة في البيئة الإقليمية والدولية من حولها , أن مفهوم القوة ذاته سواء أكانت مادية أو معنوية , ينطوي علي مستويين , القوة ونقيضها , أو القوة , ومقاومتها و, فليس ثمة قوة , لا ينبثق عنها , نقيضها , وليس ثمة قوة , لا تتخلق قوة مضادة لها , أو مقاومة لها , وبين القوة ونقيضها , القوة ومقاومتها , مساحات تفاعل , ومواجهة , واحتراب , بل وافتراس , وفي هذه الرسالة المفتوحة لعمل الرسالة , وفعلها , تبقي الفاعلية , ومن ثم الديمومة والبقاء , مرتهنة , بالقدرة علي التجديد , و التجدد, علي التحديث , ومواكبة الزمن , لأن بقاء  الرسالة , إنما يعني الحفاظ عل ثبات نواتها المصلبة , وفي الوقت ذاته , الإبداع المتصل لخلق صيغ وأدوات وآليات متغيرة تمكنها من التعبير و التأثير و الفعل , في عالم متغير .


تمضي المقولة بعد ذلك من أركان العدل إلي سقفه في الفضاء القومي , الأمة التي تحمل رسالتها المتجددة , النضرة , بكل أبعادها الإنسانية , لتلعب دورها الحضاري التاريخي في الفضاء الإنساني كله , عدلا وسلاما وحرية , وهذا الدور مشروط بحضور الأمة , فحضورها علي هذا النحو هو جوهر رسالتها وجوهر دورها , ومفتاح انتصارها أيضا.


ولهذا فإن حملة الإكراه المادي والمعنوي ضد هذه الأمة , إنما تتمحور إستراتيجيتها حول تصفية الفكرة القومية العربية , سبيلا إلي تصفية الكيان القومي ذاته , فلا تجديد ولا تجدد ولا بقاء للرسالة , بغير قوتها الفكرية والمعنوية , ولا بقاء للكيان القومي ذاته , بغير الرسالة .


لقد استرشدت الإدارة الأمريكية , في بناء هيكل استراتيجيتها في الإقليم , علي دراسة هامة لمؤسسة الدراسات الاستراتيجية المتقدمة في الولايات المتحدة , حملت عنوان " التعامل مع دول متداعية " , بل أوصلت الدراسة في نتائجها هذه الدول العربية من توصيفها بالتداعي , إلي توصيفها بأنها " وحدات اصطناعية" , ولذلك يتحتم من منظورها هدم هذه الوحدات , وإعادة بنائها سياسيا , واجتماعيا , وجغرافيا , واقتصاديا , وثقافيا , علي أسس طبيعية مستحدثة .


لكن ما هي القواعد التي ستحكم من منظورها , عمليات هدم ما هو مصطنع , وبناء ما هو طبيعي , تجيب الدراسة بالحرف الواحد : " إن المعركة لإعادة تعريف العراق , والسيطرة عليه , هي بالاستتباع , معركة للسيطرة علي ميزان القوي في المنطقة علي المدى البعيد " , لماذا أيضا , تضيف الدراسة : " لأن القومية العربية لا يمكنها المصالحة مع الغرب , ولا مع التحديث , ولأنه ينبغي صياغة واستحداث جملة من أشكال الهوية , فوق القومية , وتحتها , وهي التي ستحدد الشرق الأوسط , في المستقبل ".


المقابل الاستراتيجي _ إذن _ هو نفي الهوية القومية العربية , تجريد الأمة العربية من هويتها , وبالتالي من رسالتها , وبالتالي من كينونتها , أما الطريق إلي ذلك , فالإشارة إليه , هي مزيج من الانحطاط السياسي و التبجح الفكري أقصد استحداث جملة من أشكال الهوية , فوق القومية, أي هوية شرق أوسطية _ مثلا _ وتحت القومية , أي إيقاظ جميع الهويات المطمورة , عرقيا , وطائفيا , وطبقيا , باختصار تفريغ العقل العربي من خلاياه , الحضارية التاريخية , وإعادة شحنه بخلايا فوق قومية وتحت قومية , ونفي الهوية , واستحداث هويات جديدة , يعني تفي الذات , فالهوية في قواميس الفلسفة الحديثة , تعرف علي أنها : ما يعرف الشيء في ذاته , دون اللجوء إلي عناصر خارجية لتعريفه , وفي المعني العجمي الحديث , فإنها مقابل الذات , بل هي نفسها , فهوية الشيء , ذات الشيء وحقيقته وماهته


أن هذه العملية الاستراتيجية المضادة المركبة , هي ما تواجهه مضامين المقولة السابقة , أنها تعيد بناء القوة المادية والمعنوية , مقابل نقيضها , الرسالة مقابل الغياب الحضاري التاريخي , الكيان القومي مقابل التفتت والانحدار والتشرزم بل والضياع , الهوية القومية , مقابل المسخ والمحو والغزالة , أما العدل فهو صخرة الثبات الراسخة , التي ينبغي أن تتمسك بها أيدي , الهوية , و الكيان , والرسالة , ومن ثم الدور الحضاري في العدل والسلام والحرية .


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد , موصولة المبني والمعني , بالمفاهيم والقيم السابقة كلها :


" وحسبك بالعدل والسلام والحرية  أن تمت كلمة حق عربية , تصبو للإيمان و العدالة نوعية وسطي , تنأي عن الهوى بالحرية , وسلام عوذه الإيمان بالله , وقضية مثواها جامعة إنسانية , تؤس لإسهامات حضارية , أركانها قيم تتسامي في الحب والجمال والأزلية " .


كما تحدثت المقولة السابقة عن الدور الحضاري , والرسالة القومية العربية للإنسانية تتحدث هذه المقولة عن جامعة إنسانية تؤسس لإسهامات حضارية , محددة الأركان , بقيم تتسامي في الحب والجمال والأزلية , إن تعبير جامعة إنسانية  في حد ذاته , كاشف عن دلالة هذا الاندماج الإنساني , الذي يسقط الحدود والمسافات , واللغات , والفواصل , سعيا إلي بلورة أواحد الوحدة الإنسانية , أو علي وجه أكثر دقة , إلي التفاعل الإنساني المفتوح , الذي يصهر المعارف و القدرات , والطاقات , في بوتقة مشتركة هي هذه الجامعة , ليؤسس لمستوي جديد , ورفيع , من حوار الحضارات وتفاعلها وإخصابها ببعضها , شرط أن تكون عملية الحوار والتفاعل  ومن ثم الإخصاب المشترك , يقف علي أركان ثابتة , للقيم الإنسانية الأساسية , لكي يمتلك منتوجها الحضاري , أجنحة قوية , تحلق به في سماوات مفتوحة , في الحب , والجمال , والأزلية , فاختيار الحب والجمال والأزلية , يعكس وعيا بالغ الخصوصية و التميز , لا،ه يمسك علي نحو مباشر , بما هو  مشترك وثابت , وقابل للتحليق , بعيدا عن التفاصيل الصغيرة والتضاريس المتباينة , والألوان المتناقضة ,  أو المتباعدة , وفسيفساء الجغرافيا , وحواجز التاريخ , إنها بحار السباحة الإنسانية الحرة , التي تشترك في المنبع والمجري والمصب , الوجدان الذي يتدفق فيه دفء النبض , والجمال الذي تشرق فيه شمس الروح   , وجذر الشجرة الإنسانية الواحد الذي ينتهي في الأزل , وتتدفق من عصارته تلك الثمار الحضارية , التي تضيء أقمارا في فضاء السماء المشتركة الواحدة  .


أن صور القضية الأساسية في التاريخ الإنساني هي نفسها صور هذه الجامعة الانسانية , أنها مثواها كما تقول المقولة , اللحمة الإنسانية , الإنسانية الأزلية , الأصل والوجدان والروح, لكنها صور مطمورة في الضمير الإنساني


, أو مطمورة في اصل الأنواع منذ فجر هذا الضمير , الذي ما هو الرابط بين هذا التفاعل الحضاري المفتوح , في إطار هذه الجامعة الإنسانية وبين الإيمان , وبينه وبين السلام , وبينه وبين النأي عن الهوى بالحرية , لقد ربطت المقولة علي نحو جازم بين السلام والإيمان , فالسلام في نطاقها عوذه , أي حارسه وحاديه , هذا الإيمان , لكن الإيمان و العدل معا , هما المتمان لكلمة حق عربية , تنتج حرية مسئولة , وسلاما مستقرا , وتفاعلا حضاريا خلاقا .؟ أن ذلك كله إنما يعكس جانبا عميقا من صورة الوعي القومي العربي , فقد تخلي الوعي الأوروبي عما أبدعه هو نفسه , لقد أكتشف الزمن كما اكتشف العقل والتاريخ والحرية , ولكنه أسقط الزمن , عندما أنتهي إلي فهم العقل عن الإيمان و الحرية عن التاريخ , والعدل عن القيمة , والعقل والحرية والتاريخ والقيمة عن المعني في ميدان التفاعل بين الحضارات , ولهذا أنغلق علي نفسه , ثم اغتراب , وعدمية , و نفعية  , لقد استمدت المعني , أو عن الفكرة , وشغلت الحضارة الرومانية نفسها لتوكيد سلطتها , وتشييد إمبراطوريتها , وبسط نفوذها , علي التخوم الواسعة من حولها , بالبحث عن القانون وتوظيفه لخدمة سيطرتها ومنتوجها , لكن الحضارة الغربية التي أسقطت الزمن , أو بمعني أدق , أسقطت المعني انتهت إلي البحث عن المنفعة واللذة , يبدو الأمر بالغ الاختلاف , من خلال أحد أبعاد الوعي القومي العربي , الذي تبلوره المقولة .


فتحقيق التقدم المادي , والحضاري , لا معين له , كي يواصل تراكماته , وتحولاته , وتجلياته , غير معين لا ينضب من النداء الروحي , والكمال الأخلاقي , وهذا البعد الذي نتحدث عنه في صورة الوعي القومي العربي , مرتبط بهذا الفهم أو قل المفهوم العميق , فالفلسفة العربية الإسلامية , حاصرت التناقضات المفتعلة بين الوحي والعقل والطبيعة , بأن وصفتهم علي الدوام , في موضع توافق , إذا لم يكن في موضع اتفاق , وعلي هذه القاعدة التوافقية , وحدها يمكن الربط الجازم بين السلام والإيمان , وبين الإيمان والعقل , ذلك أن الإيمان في صورة الوعي القومي العربي , وفي منتوج الحضارة العربية الإسلامية , هو العقل , والعقل  هو الإيمان , وليس ثمة فاصل بينهما , وكأنهما الدالة الحقيقية علي وحدة الوجود .


 أن الحديث في مجمله هو حديث في الهوية , أنه كشف لأبعادها , تحقيق لصورة إدراكها لذاتها , تبيان لوعيها بجوهرها , فالهوية عموما , هي ما يميز ويجمع , وما يصل ويفرق في الوقت ذاته , ذلك أنها تحصن نفسها دوما , بآلية خاصة , هي آلية القبول والاستبعاد .


لكن محاولات إتلاف الهوية , ليست وقفا علي القوي الخارجية الطاعة , وإنما تلعب قوي الاختراق في الداخل دورا لا يقل خطورة وتأثيرا عن محاولات الأولي , ولقد تعرض ابن خلدون لدور هاتين المجموعتين من العوامل في التأثير علي الهوية في كتابه الذي مثل بنية علم الاجتماع الحديث في العالم كتابه ( العبد وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ) , ولما لم تكن مصطلحات الهوية والقومية وغيرها , قد أصبحت عملة معتمدة في الدراسات الاجتماعية التي لم تكن قد ظهرت إلي حيز الوجود بعد فقد صك ابن خلدون حملات لغوية خاصة , تحيط بالمعاني ذاتها التي شحنت بها المصطلحات الحديثة , وهو ما يستدعي التعامل معها بفهم أوسع وأعمق , وذلك علي شاكلة مفردة " العصبية " , التي ترد في سياق الظواهر الاجتماعية , التي يرصدها مشبعة بدلالة ومعني كلمة ( القومية )  , أو العمران التي تكاد أن تكون , في أحيان مقابلا لكلمة التنمية , وفي أحيان أخري مقابلا لكلمة التحديث , فقد سما علمه الجديد تماما " علم العمران البشري " , أو استخدامه كلمة " العوارض " , مقابلا لكلمة " الظواهر " الخ .. أو لاستخدامه تعبير " الاجتماع الإنساني " ,وعلاقته بالجغرافيا , قبل خمسمائة عام من ظن " دوركايم " أنه ألف بابا جديدا في علم الاجتماع اسماه " المورفولوجيا الاجتماعية "


يقول ابن خلدون : " واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصفة , غريب النزعة , غزير الفائدة , أعثر عليه البحث , وأدي إليه الغوص , ويتألف كتاب العبر من سبعة مجلدات , ويطلق على المجلد الأول منه " مقدمة أبن خلدون " , التي تشمل جميع ظواهر الاجتماع الإنساني , ويشتمل المجلد الأول على تمهيد وستة بحوث رئيسية أو فصول رئيسية , في :  " العمران البشري على الجملة" , و " العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل" , "الدول العامة و الملك والخلافة " و " البلدان وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهر " , وتشتمل كل منها علي عشرات الفصول الجانبية تصل في جملتها إلي مائتين وتسعة وتسعين فصلا , فهو يعرض _ مثلا _ في الفصلين الثالث والخامس , للظواهر الاقتصادية , في فصول جانبية , تحمل عناوين : " فصل في الجباية وسبب قلتها وكثرتها , فصل في ضرب المكوس أواخر الدولة , فصل في أن التجارة من السلطان معزة بالرعايا , فصل في أن ثورة السلطان وحاشيته إنما تكون في وسط الدولة , فصل في أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية , فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران , إلخ ...


وحسبنا في هذه الإشارة إلي موضوع الهوية , أن تتوقف للتدليل عند فصل جانبي واحد من فصول المقدمة , وضع له _ كسائر الفصول _ عنوانا , لا يخرج عن كونه , قانونا سياسيا واجتماعيا , يسعى بعد ذلك إلي البرهنة على صحته , يقول العنوان : " فصل في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء " .


ثم يضيف أبن خلدون : " والسبب في ذلك والله أعلم , ما يحصل في النفوس من التكاسل , إذا ملك أمرها عليها , وصارت بالاستعباد آلة لسواها , وعالة عليهم , فيقصر الأمل , ويضعف التناسل , والإعمار إنما هو عن جدة الأمل , وما يحدث منها من نشاط في القوي الحيوانية , فإذا ذهب الأمل بالتكاسل , وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ( بمعني القومية ) ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم , تناقص عمرانهم , وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم , وعجزوا عن المدافعة ( أي المقاومة ) عن أنفسهم , بما خضد الغلب من شوكتهم , فيصبحون مغلبين لكل متغلب , طعمة لكل آكل , وسواء أكانوا حصلوا علي غايتهم من الملك , أو لم يحصلوا " .


ويضيف ابن خلدون : " وفيه , والله اعلم , سر أخر , وهو أن الإنسان رئيس بطبعه , بمقتضي الاستخلاف الذي خلق له , والرئيس إذا غلب علي رياسته , وكبح عن غاية عزه , تكاسل حتى عن شبع بطنه , وري كبده , وهذا موجود في أخلاق الأناسي , ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة, وأنها لا تسافر إذا كانت في ملكة الآدميين , فلا يزال هذا القبيل المغلوب علي أمره , في تناقص واضمحلال إلي ان يأخذهم الفناء , والبقاء لله وحده " , قبل أن يضيف في موضع أخر : " والمغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب في مأكله ومشربه وملبسه وكافة صنوف حياته " .


يلخص ذلك كله في كلمة واحدة , وهذا هو ( الانقياد ) , وهو ا يبدو أكثر شمولا وإحاطة بما يعتري الهوية ذاتها , من تغيير , وإتلاف مصطلح حديث وهو " التبعية " . أما آفة ذلك كله , فهو الجور , وغياب العدل , وفقدان الخصوصية , وإتلاف الهوية القومية , والهزيمة المعنوية قبل المادية , التي تعني تحطيم الإرادة القومية , أو ما أطلق عليه أبن خلدون " الانقياد " , وما أسماه في موضع آخر , ذهاب " العصبية بالقلب الحاصل " , والعجز عن " المدافعة " , أي اضمحلال القومية , وفقدان إرادة المقاومة .


تقول واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد :


" تتسألون عن العلي المجهول , وعن الغيب ,وما في العقول , لدرك المعارف , وموضوع الحقيقة , وحال الحامل والمحمول , في مشهد الممكن والمأمول , إن كنتم بالله لا تشركون , وللقومية تتساءلون , بالعدل والسلام والحرية " .


أن المفصل الأساسي في هذه المقولة , هو تعبير ( في مشهد الممكن والمأمول ) , وذلك أن كلمة المشهد غير الصورة , فالصورة تنطوي على بعدين , رأسي وأفقي , أما المشهد فإنه ينطوي عل ثلاثة أبعاد , الرأسي والأفقي والعمق , لكنه عندما يكون المشهد بين حالتين أو وضعين متقابلين هما في المقولة الممكن والمأمول , هو ينطوي على بعد رابع أي عن زمن , فتعبير المشهد هنا تعبير عن مكان وعن زمن , أي عن حركة , وهي حركة بين حالتين , أو وضعين أو قطبين , هي الممكن والمأمول , أن الممكن هو ما يبدو بالمعطيات القائمة قابلا للتحقق , أما المأمول فهو الذي يدخل في نطاق الأمل العظيم البعيد , الذي يحتاج تحققه إلي الاستجابة لشروطه في الواقع يقال لما في القلب مما ينال من الحيز أمل .


وفي محيط هذا المشهد تتزاحم الأسئلة على الجانب الأول له , ثم تري الإجابات على الجانب الآخر ل وهي تبلور شروط التحول بين الحالتين أو الوضعين , الممكن والمأمول , إنها شروط الحركة , والتقدم تبدأ المقولة  بـ " تتسألون عن " أي يسأل بعضك بعضا , والتسأول هو استدعاء معرفة ,أو طلب ما يؤدي إلي معرفة , " واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام " , " قد أوتيت سؤالك يا موسي" . أن محيط التساؤلات واسع وعميق , فهو عن الكلي المجهول , وعن الغيب ,  وما في العقول , وحال الحامل والمحمول , أن المجهول هو نقيض المعلوم , " فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة " , والغيب هو كل ما غاب عنك , سواء أكان محصلا في القلوب أو غير محصل " الذين يؤمنون بالغيب " , فالغيب محل إيمان لأنه محصل في القلوب , ولكنه يمكن ألا يكون محصلا , " وألقوه في غيابات الجب " , أما العقل , فيعرفه " الراغب " بأنه القوة المتهيئة لقبول العلم , يقول تعالي " وما يعقلها إلا العاقلون " , ويقول " صم بكم عمي فهم لا يعقلون " , فربط بين انغلاق العقل وغياب الحواس , والعقل هو القلب أيضا , ولهذا فإن الإيمان و العقل واحد في الفلسفة العربية الإسلامية , يقول تعالي " لمن كان له قلب " , أي عقل , وهو في العربية أيضا يعني الملئ والحصن , وقال الإمام علي رضي الله عنه : العقل عقلان, مطبوع ومسموع , فلا ينفع مطبوع إذا لم يكن مسموع , كما لا ينفع ضوء الشمس , وضوء العين ممنوع " , أي، أزمة اللا عقل , ليست في المعقول , إنما في العاقل أو العقل , ووظيفة العقل هنا هي درك المعارف وموضوع الحقيقة , وحال الحامل والمحمول , أما الدرك فهو غاية عمق الأشياء  , " لا تخاف دركا ولا تخش " , " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " , أي يحيط بها إحاطة كاملة  شاملة , أما المعارف جمع معرفة , فهي ما يتم التوصل إليه بتفكر وتمعن ودراسة , أي إنها أكثر خصوصية من العلم , والمعرفة والمعارف , تشتمل على معني الحسن والطيب , " ويدخلهم الجنة عرفها لهم " , أي طيبها , أما الحامل والمحمول , فإن كلمة الحمل تستخدم في الأثقال عامة , سواء أكانت محمولة في الظاهر أو الباطن " فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم " , أي ما كلف به , وما أوحي إليه , وما كلف أن يبينه ويعلنه ويظهره , " إنا عرضنا الأمانة علي السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها , وحملها الإنسان  "  , والمعني هنا أن السموات والأرض , انصاعتا وأديتا الأمانة , ولكن الإنسان لم يؤدها , " وساء لهم يوم القيامة حملا " ,وحملته الرسالة أي كلفته بها , " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " , في الجانب الآخر من المشهد , تتري الإجابات , لكي يتحول الزمن إلي حركة , تدفع الممكن في اتجاه المأمول , والإجابات بالغة التحديد , فأول قوة أساسية دافعة للتحول , مشروطة بعدم الشرك ,أن كنتم بالله لا تشركون , يقول تعالي " أن الشرك لظلم عظيم " , أي أن الشرك في ذاته نقيض العدل , وأشرك بالله أي كفر بأن جعل له شريكا في ملكه ,وقد فسر أبو العباس قوله تعالي " والذين هم مشركون " , بأنهم أولئك الذين صاروا مشركين بطاعة غير الله , أما القوة الأساسية الثانية الدافعة إلي التحول , من حالة الممكن إلي حالة المأمول , فهي بدورها مشروطة , بالقومية المشروطة , بدورها بأركان ثلاث , هي العدل والسلام والحرية , .


هكذا يمكن للنقلة الكيفية أن تتحقق , ويمكن أن يقطع المسافة في اتجاه المأمول , وان يتطابق معه , , ليصبح الزمن وعاءا للتحول والتغير , والتقدم , وليس جرد غلاف للوقائع .


أن مسائل الهوية , و التحول , والتغير , والمقاومة , و العدل , والإيمان , والسلام , والحرية , والتي تزاحمت في أفق مقولات التجمع القومي الموحد , ترتبط ارتباطا وثيقا , بمسائل الدولة , و السيارة , و أنماط النظام الدولي , و التكنولوجيا , والأمن القومي , وغيرها , من المسائل التي عزت تمثل تهديدا , استراتيجيا , أو باتت واقعة تحت التهديد .


أن أوضح مظاهر غياب العدل علي المستوى الدولي , هو شيوع ظاهرة "اللامساواة  المتطرفة "التي تؤدي إلي أشكال جديدة من الخلل العام, في توازنات النمو علي مستوي العالم , وهي أشكال تهدد علي نحو غير مسبوق الاستقرار السياسي والاجتماعي  على المستوي الدولي , فقد أضحي الاستغلال العنصر الحاكم للعلاقات الاقتصادية , والثقافية النابعة من تحولات النظام الدولي الجديد , أن أربعين بالمائة , من السكان الذين ينتمون إلي أفقر بلدان العالم لا يزيد نصيبهم عن ثلاثة بالمائة من إجمالي التجارة الدولية , بينما يستحوذ ستة عشر بالمائة من سكان العالم علي خمسة وسبعين بالمائة من إجمالي هذه التجارة , وبينما يمتلك ثمانون بالمائة من دول العالم ما يساوي خمسة عشر بالمائة من مجموع المدخرات العالمية , يمتلك عشرون بالمائة من دول العالم , ما يساوي خمسة وثمانين بالمائة من مجموع المدخرات العالمية , يضاف إلي ذلك أن النزوع إلي اللامساواة  , وإلي النمو غير المتكافئ , قد أصبح أكثر الحقائق وضوحا في ظل العولمة , فقد كان الفرق بين نصيب الفرد من أبناء الخمس الغني في العالم , قياسا إلي نصيب الفرد من الخمس الأكثر فقرا , لا يزيد قبل ربع قرن عن ثلاثين بالمائة , بينما وصل الآن إلي ما يساوي ثمانية وسبعين ضعفا , وإذا كان متوسط دخل الفرد في المنطقة العربية , قد شهد خلال عقود الخمسينات و الستينات والسبعينات من القرن الماضي ارتفاعا بمقدار ثلاثة أضعاف , فقد تجمد رقميا علي وضعه خلال الثمانينات والتسعينات ,وإن كان في الحقيقة , قد تراجع موضوعيا رغم بقائه شكليا علي حاله السابق بحكم ظواهر عنيقة , لإعادة تمركز الثروة وأمواج التضخم , وارتفاع أسعار الواردات وهو ما يجعل معيار متوسط دخل الفرد ذاته , مجرد مقياس شكلي مخادع .


إن العالم يعود فيما يبدو إلي تلك الأوضاع الغابرة التي واكبت بدايات النظام الرأسمالي في مرحلة الثورة الصناعية , والتي أخذت في الذهاب إلي متحف التاريخ , منذ منتصف القرن التاسع عشر , حيث يعكس هذا التفاوت الهائل بين الدول نفسه , في مظاهر خلل مركب تعتري التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة الواحدة , فعلي مدار السنوات العشرين الماضية حصل عشرين بالمائة من أغني العائلات الأمريكية علي ما نسبته سبعة وتسعين بالمائة , من الزيادة في الدخل القومي , وبينما وصلت إلي أربعة بالمائة صاحبها انخفاض في دخول الخمس الأمريكي الأفقر بنسبة أربعة وأربعين بالمائة , في الوقت الذي تستعر فيه ظاهرة تمركز الثروة , في الولايات المتحدة , فقيل ربع قرن كان ثلاثة عشر بالمائة  من الأمريكيين , يملكون أربعة بالمائة من الثروة , أصبحت هذه النسبة مملوكة لواحد بالمائة فقط من إجمالي المواطنين الأمريكيين  , بينما يعيش داخل أحزمة الفقر , حسب التصنيف الدولي , سبعة وثلاثون مليون أمريكي .


إن ظواهر تمركز الثروة , واستقطاب العائد , واللامساواة المتطرقة , تنعكس علي نحو علي الأوضاع الاجتماعية , تفككا وجريمة , لارتباطها مباشرة , بأوضاع الشغل والبطالة , ولقد أجري باحثان أمريكيان هما ستيفن رافائيل من جامعة كاليفورنيا , ورودلف فرتر  من جامعة لندن , دراسة لتقنين انعكاسات الظواهر الاقتصادية السابقة علي نسب البطالة , وانعكاسها بالتالي علي الأوضاع الاجتماعية , من خلال الإحصائيات الرسمية الواردة بتقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي عن الجريمة , علي امتداد ثلاثة وعشرين عاما , وانتهيا إلي أن زيادة البطالة  بنسبة أثنين بالمائة فقط , تؤدي تلقائيا إلي زيادة جرائم السرقة بنسبة تسعة بالمائة , والاغتصاب بنسبة أربعة عشر بالمائة , وجرائم الاعتداء علي النفس بنسبة ثلاثين بالمائة .


ومن الطبيعي في ضوء تمركز الثروة عند القمة , وتراكم الفقر والعوز في الطبقات الدنيا , أن ينفق المواطنون الأمريكيون علي حراسهم المسلحين , ضعف ما تنفقه الحكومة الأمريكية علي أجهزة الشرطة , فهناك ثمانية وعشرون مليون أمريكي قد حصنوا أنفسهم في أبنية , وأحباء سكنية معزولة ومخفورة , بل أن إنفاق ولاية واحدة هي كاليفورنيا , التي تحتل المرتبة السابعة في قائمة القوي الاقتصادية في العالم , على السجون يفوق المجموع الكلي لموازنة التعليم .


أن البطالة في اليابان قد تجاوزت نسبة عشر بالمائة وهو الرقم ذاته الذي يمثل الحد الادني لنسبة البطالة في أوروبا , حيث تتراوح بين عشر بالمائة وخمسة عشر بالمائة , بعد دخلت التكنولوجيا المتطورة , إلي جانب الظواهر الاقتصادية السابقة , في إلقاء مزيد من العاملين علي أرصفة سوق العمل , بعد أن زادت معدلات إحلال الآلات مع العمل والموظفين , في نمط إنتاجي جديد , يحكمه نظام يتميز بالسرعة الفائقة , وبإنتاج كثيف المعرفة , لم يعد كسابقة ميكانيكيا أو طوليا أو خطيا في إطار نظام ثابت , وإنما غدا مركبا ومتصلا , وشبكيا , ومتغيرا , ولم يعد الإنتاج كثيف العمالة , كما لم يعد تدني أجور العمال محفزا علي نقل خطوط الإنتاج , التي ينبغي أن ترتبط مباشرة بأسواق الاستهلاك , فالعمالة الرخيصة ذات المستوي التعليمي المنخفض أو المتوسط لم تعد مجزية في حسابات الإنتاج , أن تكلفة العمالة في عملية الإنتاج علي المستوي الدولي , تصل إلي خمسة عشر بالمائة من التكلفة الإجمالية للمنتج , بينما تصل تكلفة النقل إلي سبعة ونصف بالمائة , وهذا يعني أن نمط نقل عملية الإنتاج , من المراكز الدولية إلي الأطراف , والتي سادت في النصف الأخير من القرن العشرين , لم يعد قابلا للبقاء , إلا بتوفر شرطين أساسيين , هما : توفر عمالة عالية  الجودة , في الأطراف , وتدني  أجورها في الوقت ذاته , بحيث لا تزيد عن خمسين بالمائة من أجور المستوي نفسه من العمالة , في المركز .


إن الأدبيات السياسية والاستراتيجية الجديدة , تتحدث عن المجتمع اللامكاني , ولكنها تتحدث عن الرصيد المعرفي القومي , الذي تبقي له الغلة في تحديد المكان , داخل اللامكان.


إن واحدا من ألمع وجوه الفلسفة الفرنسية المعاصرة ( فوكو ) هو الذي رأي بوضوح كامل " إن مبدأ القتل من أجل العيش , الذي كان يسود المجتمعات البدائية القديمة  , في طريقة إلي السيادة من جديد " , غير أن مبدأ القتل قد أصبح مختلفا , فقتل الآخر بمعني الإبادة الجماعية , أصبح أكثر تكلفة , ولكن قتل الآخر بمعني قتل الذات , وقتل الهوية , والخصوصية , قتل التراث والثروة , والتهميش المتواصل , في مقابل التجنيس المستمر وقبل ذلك كله , تغريم الدولة القومية وتجريدها من أسباب بقائها في الواقع .


إن جميع الفجوات بين الشمال والجنوب تزداد اتساعا وجميع الفجوات داخل مجتمعات الشمال نفسه تزداد اتساعا , أما داخل دول الجنوب فإن الفجوات تتحول إلي فضاءات واسعة ,  فالمجتمع الواحد ينقسم علي نفسه إلي مجتمعين , تشرع التناقضات بينهم أمضي أسلحة الفتن والكوارث , والانقسام , لم تعد الفجوة بين الشمال والجنوب قاصرة علي فجوة الثروة , والتقسيم الدولي للعمل , وللعائد وللتجارة الدولية , والاستثمار , فحسب ولم تعد قاصرة علي الفجوة الرقمية فحسب , وإنما تمددت فجوة جديدة  هي فجوة الفجوات , إنها الفجوة الكمية , في الحسابات الكلية للقوة الشاملة , أما داخل دول الشمال ذاتها , فإن الفجوات السياسية والاجتماعية , تتمدد لتمثل مزيدا من تمركز الثروة والطرف , ومزيدا من شيوع الفقر والفاقة والبطالة .


أما عملية الانقسام والتمركز سلطة وثروة , داخل دول الجنوب فهي تأخذ منحني تراجيديا فاجعا , تجرف ثرواتها المادية , والطبيعية , وفي المقدمة ثروتها البشرية , بحكم انهيار الطبقة المتوسطة , وتصدع وانحراف الهياكل الاجتماعية , والاقتصادية , منتجة تراكما هائلا من التوتر والاحتقان الاجتماعي والسياسي , فالحادث أن الكتلة النقدية الوطنية لم تعد خاضعة للسلطة التنفيذية المحلية بعد أن أصبحت الغلبة للمكون الأجنبي أو الدولي في القرار , علي نحو يجعلها غير قادرة علي الدفاع عن قوانين حاكمة للسوق المالي , بكل مفرداته من سعر الفائدة إلي قيمة العملة الوطنية , والحادث فوق ذلك , إن تلك النموات الاقتصادية الهائلة المستجدة التي أصبحت تحتل القمة الضيقة , أعلي الهرم الاجتماعي , قد انفصلت عن فضائها الوطني , واندمجت في فضائها الدولي , وأصبحت جزء منه , فلم تعد هناك رأس مالية وطنية , بالمعني التقليدي للصفة , أي تريد أن تستقل بسوقها الوطني , في ظل أشكال مختلفة من الحماية , فحمايتها لم تعد داخل الكيان الوطني , وإنما في اندماجها الذاتي المستقل , في ذلك الفضاء الرأسمالي الدولي , الذي يفرض قوانينه الذاتية , في النمو , والعائد , وفائض القيمة , وتوزيع الإنتاج , والاستثمار , وعوائدهما , إن مفكرا اقتصاديا غربيا بارزا هو ( جندر فرانك ) هو الذي يري أنه " عندما يتحالف رأس المال المحلي في دولة ما مع الرأسمال الأجنبي فهو إنما يساهم في تخلف الدولة " , والحقيقة تخلف الدولة لم يعد يشكل قمة التراجيديا الفاجعة , وإنما تفكيك الدولة وتجريدها من أسباب بقائها , فبينما يجري الحديث لامعا عن الربط الكامل بين الديموقراطية والسوق , ويتحول السوق إلي الضابط الأعلى للعملية الاقتصادية والاجتماعية , لم يعد باقيا للدولة من وظائفها الأساسية الأربعة في النظام الرأسمالي إلا وظيفة واحدة هي القمع , إضافة إلي صورها التذكارية الملونة , التي تعكس مجدا وطنيا غابرا , أو سيادة وطنية , لم يعد لها حضورا ملموسا في الفضاء الوطني , بل أصبحت علي حد تعبير ( نيلور ) مجرد نوافذ لدخول الشركات متعددة الجنسيات , وبينما يجري الحديث مطربا , بالقرية الكونية الواحدة , تجري في الواقع أكبر عملية في التاريخ , للقمع الثقافي وفرض النمط الواحد , حضاريا , وثقافيا , وفكريا , وتفريغ الثقافة القومية , من جوهرها الفاعل , ومن خصوصيتها الحضارية التاريخية , وبالتالي تغذية عملية إنتاج التناقضات الثقافية والعرقية والمذهبية , والدينية , ثم تحويل مكوناتها في المجتمع إلي جماعات سياسية متصادمة , ومتناحرة , إن الوثائق البريطانية الرسمية هي التي تؤكد بجلاء , أن السلطات البريطانية , في أوج الظاهرة الإستعمارية , هي التي خلقت التناقضات المماثلة في إطار سقوبي , والتي ما تزال آثارها , ودوافعها باقيه إلي اليوم , من الصراع بين المسلمون والهندوس والسبخ في الهند , إلي اليونان والترك في شبة الجزيرة القبرصية , إلي الهنود والفيجيين في شبة جزيرة فيجي , مرورا بالتأميل


 

News
Opinion
Press
Strategy
Archive
Video

Poll

United National Group - Unitedng.com

Reports Documents Membership Interviews Statement Ideology Home