قراءة في فكر الدكتور رفعت الأسد والتجمع القومي الموحد
الفصل الأول
الــحـريــة
مفهوم الحرية في فكر التجمع القومي الموحد
تكاد الحرية أن تكون في قلب مقولات التجمع القومي الموحد, الكلمة الأخيرة التي تمثل التميمة السرية لولوج باب المستقبل, بل تكاد أن تكون دالة موضوعية على صحة منهج التقدم , وعلي الانتقال الكيفي من حالة قائمة إلي حالة مرجوة, إنها الجسر الذي تعبر عليه بقية القمم عبوراً , آمنا , ونشطا , ومحفزا لكي تسترد معانيها الصافية , وحقيقتها الكونية , وفعلها الإنساني العميق الغور , الكامل التأثير.. سياسيا واجتماعيا وثقافيا...
فإذا لم تشكل الحرية المصاحب اللغوي لكل قيمة عداها , فإنها تتحول إلي تجريد وتسطيح وقول بغير بفعل , أو فعل بغير عائد ...
في البدء لم تكن الكلمة هنا, وإنما كانت الحرية , وفي المنتهى ستكون الحرية أيضا , فردوس الإنسانية الذي تتقطع الطرق وصولا إليه, ولكنه في الوقت نفسه , الحارس القيميّ لكل القوافل المجتمعية , إذا أرادت أن تظل موصولة , بخارطة طريق صحيحة نحو المستقبل ....
في البدء كانت الحرية , نقية كندي البحر, صافية كمياه البحر, مبذولة كفيض المطر الدائم من سماوات الله اللانهائية, موفورة كالهواء الصافي الذي يخرج لتوه من ثغور أوراق النباتات الخضراء , طليقة كأجنحة العصافير .
في البدء لم تكن الكلمة وإنما الحرية, فالكلمة نفسها لم تنضج حروفا ومعاني ودلالات الا فوق شفة الحرية, ولم تنتقل من فم إلي آخر إلا بوسائط حرة , ولم تمتلك المقدرة على آن تترجم نفسها إلي فعل , إلا عندما امتلكت القدرة على أن تمارس الحرية ...عندما حملت الحرية حريتها , وأنضجت رؤية , أنجبت فعلا .وأنجزت تغييرا , وامتلكت عقلانية , وأسست منهجا , واتخذت سبيلا ....
بل إن مرمي القصد في ذلك , أن كلمة الحرية تكاد أن تشكل المعلم الذي الأكثر عمقا في العقل والوجدان العربيين , ليس فقط لأنها تشكل قيمة حاضرة عليا في الإسلام عقيدة ورسالة , وإنما أيضا، لأن غيابها كان كبيرا , وواضحا , ومؤثرا , على النقيض مما تقول به النصوص , على امتداد عمق تاريخ عربي طويل .
بل يمكن أن يتم استحضار الحرية من مبني ومعنى هذه المقولات, باعتبارها تشكل جانبا جوهريا ، في الوعي التاريخي العربي.
فإذا كان ديكارت قد عبر عن القيمة العليا في الوعي التاريخي الفرنسي , بقوله "أنا أفكر إذن أنا موجود " , فإن التعبير عن القيمة العليا في الوعي التاريخي العربي , ربما يمكن صياغته علي النحو التالي : " أنا حر إذن أنا موجود " . ولعل هذا هو المعني الخبئ في جوف تلك المقولة:
{ ليس من الصعب رسم سقف للحرية, ولكن من الصعب والمستحيل معايرة ذلك السقف وتحديد أبعاده } .
فإذا كانت الحرية هي الوجود, لا الحضور فحسب , فهل يمكن معايرة هذا الوجود وتحديد أبعاده, إذا كان لا يخضع لوحدة قياس متعارف عليها , وإذا كانت هذه الوحدة ذاتها غير قابلة للتحديد .
لهذا كما تقول مقولة أخري للتجمع القومي الموحد :
{ .. وحسبك أن الحرية صدق وجمال وإيمان بالله وبالآدمية القومية } .
وتعبير الصدق وهو أول النعوت التي دمجتها المقولة في الحرية, يعبر بدوره كتعبير الحرية ذاته , عن خصوصية عربية , تكاد بدورها أن تعكس جانبا من صورة الوعي القومي العربي , ذلك أن الصدق عربيا إنما يعني الفعل , كما يعني العمل والانتماء والمسئولية , انه ليس مجرد مطابقة القول على الموصوف , وليس مجرد إدراك حسي , وليس قيمة نفعية , كما تقول به المدارس الفكرية الغربية . فكلمة الصدق في المصطلح العربي ذات دلالة مختلفة , حتى في سياق اللغة ذاتها.
فعندما تقول صادق الحكم القلب يعني أنه مخلص فيه بلا هوي, أو صادق الإيمان يعني عامر القلب به , أو تقول صدق في القتال , أي أقبل عليه في قوة وبأس , فالصدق في فقه اللغة العربية , لا يعني فقط انطباق التعبير عما هو معبر عنه , أو صحة التقدير علي ما هو مقدر , وإنما يعني إضافة إلي ذلك التحقيق والاجتهاد , وكما يعني الإدراك السليم والتقدير الصحيح والالتزام , فالتصديق عند المناطقة يعني إدراك الحكم , أو النسبة بين طرفي القضية , إضافة إلي أنه يشكل قيمة أشمل وأعم من حدود الذات ,تنطوي بدورها علي قيم فكرية وأخلاقية وإنسانية , ذات مردود إنساني واجتماعي , فتوصيف الحرية بأنها صدق , يعني أنها إدراك , والتزام , وتحقيق , وتقدير وفعل مسئول .
ثم إن إضافة صفة الجمال إلي الحرية بعد الصدق , يقيم مركبا جديدا منهما معا , وهو مركب يضئ فاصلا كبيرا بين الفلسفة العربية الإسلامية وبين الفلسفة الغربية بكافة تياراتها ومدارسها , وهذا الفاصل لا يتعلق فحسب بمعني القيمة , ولكنه موصول بما هو فردي وما هو جمعي , ما هو شخصي , وما هو اجتماعي , ما هو ذاتي , وما هو إنساني .
إن " هايدجر " نفسه هو الذي يقرر أن الفلسفة الغربية منذ بدايتها لم تر إلا الفرد في ذاتيته , دون أن تتعرف عليه في علاقته مع الآخرين , فقد ظل الفرد غاية في ذاته , بينما تتحدث المقولات عن حرية صادقة , فاعلة مدركة , مؤمنة , ذات خصوصية , ليست مرتكزة علي الفرد , وليست مستبعدة له في الوقت ذاته , ولكنها تصوغ علاقة متوازنة , مع الحقيقة والوجود في وحدة لا تقبل انفصاما , إنها تنكر العدمية , والذاتية الموغلة في الفردية , كما إنها لا تعبر عن توفيقية فكرية , وإنما عن استيعاب نقدي , وتجاوز دائم , لأنها ليست مقيدة بالعدم , وليست مقيدة بالآخر الذي تعتبره شرا مزمنا , كما الحال في الوجودية , وهي حرية لا تقوم علي ثنائية الصراع بين العقل والإيمان . أو الفكر والحياة, أو الوجود والعدم, ولكنها حرية الوحدة والاندماج , وحدة الفرد والجماعة , القومية والإنسانية , السماء والأرض , الماضي والمستقبل , وهي حرية مسئولة وفاعلة ومدركة , وقودها العقل , وشعلتها الفؤاد , وغايتها الصدق والجمال والإيمان والقومية , في إطار وحدة الوجود والإنسانية .
ربما تجئ واحدة من المقولات وكأنها تتويج لمعاني هذه الخصوصية كلها , تقول المقولة :
{ تتسامي إبداعات الحرية , إنما ترسم مشهدا قيميا يصلنا بالله والقومية }.
لقد اختارت المقولة بدقة أن تبدأ بكلمة التسامي , بما تنطوي عليه من معاني أقرب إلي لغة الصوفية , فالتصوف ذاته هو التسامي في الروحانية , أي الارتفاع فوق مظاهر الوجود المادي , إلي آفاق أبعد وأعمق في عالم الروح , وهو عالم حافل , كما يقول المتصوفون , بمعاني الجمال والحب , فالتسامي هو انتقال من حال إلي حال , من قضاء إلي قضاء , من قشرة الأرض إلي أعماق السماء , إنه اقتراب من عالم الحقيقة , أو قل علم الحقيقة , كأنه أقرب إلي قول الشيرازي : " عشق الجمال قنطرة إلي عشق واجب الوجود " .
هكذا كما تقول المقولة , عندما تتسابق مرتبة ومكانة وعلوا , صيغ التعبير عن الحرية الإنسانية , عندما تصبح ممارسة الحرية فعلا مبدعا , محلقا في أفاق أعلي وأرحب , عندما يأخذ الإبداع صيغا جديدة , ومبتكرة , موصولة بالمعني الحقيقي لهذه الحرية الإنسانية , التي هي بغير ضفاف , فإنها تشكل في عمق الزمان والمكان , حالة إنسانية حية من الاستقامة والتوازن والعدل , لابد أن تكون موصولة , وملتئمة , ومندمجة , في الحقيقة الأولي المطلقة وهي الله , إلي شكلت الانتماء البشري كله إلي النطفة الأولي , وكذلك في الحقيقة الموضوعية الثانية التي شكلت الانتماء القومي , باعتباره الرحم أو الحاضنة لهذه النطفة . كما استوت في طبيعتها , واستقلت بمكوناتها وخصوصيتها.
يتبع.
وجــوه الاغـتـراب:
ما هو نقيض الحرية , إنه الاغتراب , لكن تعبير الاغتراب متعدد الوجوه علي نحو فريد , بعض صورة ذاتية بحته , ولكنها لا تخلو من دلالة اجتماعية , وبعضها اجتماعي بحت , لكنه لا يخلو بدوره من دلالة فردية , فالقطع بين الفكر والواقع هو اغتراب , سواء تجلي علي نحو فردي أو جماعي , في شعب أو طبقة , أو جماعة سياسية أو اجتماعية , والانفصال بين المنهج والموضوع , هو بدورة اغتراب , وامتلاك معايير الحقيقة وليست الحقيقة ذاتها وجه من وجوه الاغتراب , وكما تنتج أيديولوجية الهيمنة اغترابا , فإن نزعة التسلط تصنع المنتوج ذاته , ولكن علي نحو تراكمي .
إن الاغتراب متعدد الوجوه كما قلنا , ولهذا يجدر التقاط بعض وجوهه :
يمكننا أن نلتقط اغتراب المثقف الذي يمثله وجه " هاملت " من مسرحية شكسبير الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته , إنه يقول شيئا ويفعل شيئا آخر , إنه يقتل فارا بدلا من أن يقتل مغتصب عرشه وأمه , الوجه المتردد بين القول والفعل , المتأرجح بين الحقيقة والوهم , المنقسم علي ذاته , المبتعد المقترب من كل الخيارات المستحيلة , غير قادر علي الاختيار , أو علي الحسم , أو علي المواجهة , رغم أنه في الوقت ذاته , غير قابل للشفاء من داء عقله .
ويمكننا أن نلتقط وجها آخر قد يمثله بطل رواية (ألبير كامي) "الغريب " , الذي يندفع إلي ارتكاب جريمة قتل , تعبيرا محددا عن إيمانه بأن المعني الأساسي للحياة هو عبثي خالص , فعندما يتفاعل في رأسه ماء البحر المالح , بشواظ الشمس الحارقة , بأحلامه الإنسانية المجهضة , يجد نفسه مندفعا إلي فعل عدائي , يصل إلي مرتبة القتل , وإزهاق روح عابر سبيل برئ , لكنه عندما يذهب إلي قفص المحاكمة غير عابئ بالحياة والموت , يجد نفسه علي مشارف النهاية , متمردا علي غربته , وعندما يتسلل إلي وجدانه خيط من النور , يفتح فيه كوة علي معني الحياة ذاتها , وعلي أنها تستحق أن تعاش , فيصرخ في أعماقه , متمردا علي ذاته , واغترابه , ومؤلفه , وسياقه الدرامي:أريد أن أعيش .
ويمكننا أن نلتقط وجها آخر للاغتراب , في تلافيف عامر رواية (جون بول سارتر) " الغثيان " , عندما تحاول مجموعة من القساوسة أن يفرضوا علي زنديق محتضر أن يتناول من بين أيديهم الغفران الأخير , لكنه يأبى ويصر علي زندقته , وعندما يمر بهم زنديق آخر , يطلب منهم أن يحاول بعد فشلهم , أن يرد الزنديق المحتضر إلي حظيرة الإيمان , وعندما ينجح في ذلك وسط دهشتهم , يخاطبونه قائلين : لابد أن حجتك أكثر قوة , وقدرتك علي إقناعه بالإيمان أشد تأثيرا .
غير أنه يرد عليهم قائلا: إنني لم أقنعه بالإيمان , فكل ما فعلته هو أنني أخفته من الجحيم, إلا يكون الخوف بهذا المعني , وهو نقيض اليقين , أحد وجوه الاغتراب .
إن الوجوه السابقة للاغتراب , ليست منفصلة عن صياغته , وتحديد معالمه في المنتوج الفلسفي الغربي بشكل عام, رغم تنوع الصياغات والمعالم, فـ" هربرت ماركيوز " الذي يعتبر ممثلا معتمدا, لمدرسة فرانكفورت الواقعية, يحدد أحد وجوه الاغتراب في سيادة النزعة الاستهلاكية نفسها, التي يري أنها إنما تنمي وعيا زائفا, ولكنه محصن ضد زيفه, ذلك إنه يشعرك بالحيرة , في الوقت الذي يحذرك من التفكير العميق , ولهذا يمكن بواسطته , أو بواسطة ما يمكن أن نطلق عليه بالمصطلح الحديث " تكنولوجيا صناعة الوهم " استيعاب الجموع المهمشة والمستلبة في إطار سياسي واجتماعي واقتصادي , هي غير راضية عنه , وغير موافقة عليه , ولكنها مندمجة فيه , حد فقدانها القدرة والفاعلية علي تغييره , إنها مغتربة في الواقع , رغم أن هذا الواقع لا يكف عن التأكيد لها . أنها منتمية إليه, ورغم أن عري هذا الانتماء , تكاد أن تكون مفككة, بل وغير قائمة في الواقع.
ويكاد تعبير "هيمنة الجاذبية " الذي صاغه واحد من مؤسسي علم الاجتماع الغربي, هو " ماكس فيبر " , أن يكون مدخلا صحيحا إلي " تكنولوجيا صناعة الوهم " التي تطورت مع العولمة , أي صناعة الأيديولوجية الزائفة , التي تخلق عالما من الصور , توهمك بأنك تعيش في عصر آخر , أو تنتمي إلي مجتمع لا تعيش فيه بالفعل , فصناعة الوهم أو تكنولوجيا الإيهام تخلق روابط معنوية كاذبة , بين المسيطر والمسيطر عليه , الحاكم والمحكوم , القوي والضعيف , المستبد والضحية , فالشمولية ليست فقط عملية ربط سياسي إرهابي للمجتمع بوسائل قمعية تسلطية , وإنما هي أيضا , عملية ربط تقني اقتصادي , يعمل من خلال التلاعب المتقن بحاجات الناس .
إن " إريك فروم " هو الذي يقول أنه كلما تدهور المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا , كلما عظمت الفروق في البنية النفسية بين مختلف طبقاته , أي أن الفروق الواسعة في البيئة الاجتماعية بين الناس , لا تخلق شروخا اجتماعية واقتصادية , ومن ثم تخلق شقوقا مادية في بنية المجتمع , وبالتالي تصدعات , ولكنها تخلق شقوقا نفسيه , بين مختلف الطبقات الاجتماعية , هي نفسها التي تشكل المعاول الأكثر فاعلية , في هدم الأبنية السياسية والاجتماعية , معبرة عن حالة أكثر تطورا من الاغتراب , وهو الاغتراب الجمعي أو الجماعي .
لقد عبر " ألبير كامي "عن ذلك في رواية ينضح اسمها بهذا المعني , وهو " الممتثل " , الكائن الاجتماعي , الذي يحوله النظام السياسي الاجتماعي , إلي أداة طيعة , تعبر بشكل تلقائي عن الانصياع , تحت سطوة الأيدلوجية الزائفة , التي لا يستطيع الخروج منها أو عنها , هذه الأيدلوجية الزائفة التي تستخدم صناعة الوهم , لكي تخلق أنماطا من البشر علي شاكلة شخصيات " كافكا" , شخصيات غير فاعلة , غير مقاومة , تعبر عن خدر عقلي , وهبوط وجداني , وامتثال سلبي , وكأنها تعيش تحت بصر الحاكم في بيوت من زجاج , إنها الصورة ذاتها التي شكلت رواية الكاتب الأمريكي الشهير " جورج أوريل " عن شعبه , الذي يعيش تحت بصر الحاكم في بيوت زجاجية , تتيح له أن يري ويسمع كل ما يفعله , بل وأن يجيش في خاطره , وهو يتصرف في كافة تفاصيل حياته اليومية , علي أنه مرأى ومسموع , إنه النموذج الذي يتدثر بورقة الليبرالية , والذي ينتهي في مدرسة " فرانكفورت " إلي أنه إنما يشكل نوعا من الشمولية المقيدة ", حيث تري أن "أي مجتمع قائم علي النموذج الغربي , بصرف النظر عن أيديولوجيته , أو شخصية حكامه , إنما يتقدم حتما نحو نوع من الشمولية الواضحة " , ولعل الأمر يبدو جوهريا بغض النظر عن المنتوج الفلسفي النهائي , أقرب إلي فكرة " هيجل " عن الاغتراب الإنساني , الذي رأي دالته الأساسية في اغترابه في علاقاته بالدولة , التي تدفعه إلي إنتاج تراثه الخاص , من خلال تأويل يسمح له بذلك , رغم أنه ظل يعرّف الدولة بأنها , مكون أخلاقي يعي ذاته .
الأيدلوجية الزائفة والدولة الوهمية :
إن كل الوجوه التي التقطناها تعبيرا عن ظاهرة الاغتراب , يتبدى فيها المعني المناقض للحرية , التي هي في جوهرها نفي للاغتراب , فهذه الوجوه كلها لا تعكس إلا ما يمكن أن تطلق عليه " انحطاط الحرية " , وهو نقيض تساميها كما تقول المقولة السابقة , تقيض إبداعاتها , وهو ما يعني أن يفرض المسيطرون والمستبدون ، سواء علي المستوي الوطني , أو الإقليمي , أو الدولي , علي الناس , نماذج إدراك تتماثل مع نزوع السيطرة والاستبداد , وسعيها الدائم إلي خلق الانصياع والامتثال , أي نزع أسلحة المقاومة من عقول الناس , قبل نزعها من أيديهم , ليبدو الاستبداد كأنه الحرية , والفقر كأنه الوفرة , ولهذا أيضا لم تكن " المدينة الفاضلة " أو اليوتوبيا عند " أفلاطون " أو " الفارابي " أو غيرهما مع اختلاف الأسس والمعايير .. خيالا مضللا للذات, حيث تنطوي المدينة نفسها , علي عملية تعرية يقوم بها العقل النقدي , لنظام سياسي واجتماعي قابل للاحتضار , أو قل إنها احدي آليات هذا العقل , لمحاولة نفي الاغتراب , ما الذي يترتب علي خلق صورة ذهنية وهمية للحرية , صورة زائفة لها , يتم إنتاجها وتوزيعها , حد غمر العقل الجمعي بمفرداتها , أن الأمر لا يتوقف في هذه الحالة عند حدود منح هذه الصورة الوهمية الزائفة مشروعية , بحكم سطوتها وسيادتها , وإحلالها في العقل الجمعي , وإنما تحولها إلي مصدر تغذية دائم لقيم وسلوك المجتمع , حيث يعم المشروع الفردي , ويسود العقل الأداتي النفعي , وتترسخ أنماط التمركز علي الذات , حتى علي مستوي القوي السياسية ذاتها , فينتشر وهم امتلاك الحقيقة في الخطابات السياسية المختلفة , بل ويصبح _وهو الأهم والأخطر _معيار الحقيقة ذاتيا بحتا , نفعيا خالصا , وتصبح السيادة معقودة لمنطق الاستبعاد , علي النحو الذي تلخصه واحدة من مقولات التجمع القومي الموحد , بقولها:
{ من أحسن حالات الديكتاتورية , تحويل الدولة الوطنية إلي دولة وهمية }.
إن منطق الاستبعاد لا يعني أنك تؤمن بأنك تمتلك الحقيقة وحدك , ولكن أنك تمتلك إضافة إلي ذلك معيار الحقيقة , وهو بالتالي منطق مأزوم , يعبر عن حالة اغتراب هو ليس اغتراب المواطن الفرد في علاقته بوطنه , ولكن اغتراب التيار السياسي الأوسع في علاقته بواقعه , وهي حالة تدفعه إلي أن يعبر عن نفسه في شكل جديد من أشكال الهيمنة , وكأنها انعكاس لخطاب الهيمنة علي المستوي الدولي , وهنا يكتمل انفصال الفكر عن الواقع , والثقافة السياسية عن الممارسة السياسية , ويسود المشروع الذاتي , الفردي , النفعي , المنغلق علي ذاته , باسم الليبرالية الجديدة , وبقدر ما تتسع وتتعدد الواجهات الليبرالية الجديدة , بقدر ما تنحط الحرية في الوقت ذاته , ويجد المجتمع نفسه في مواجهة نزعتين فكرتين سياسيتين سائدتين , إما إعادة إنتاج الماضي , وإما إعادة إنتاج الآخر , لتنفصل الذات الوطنية عن واقعها وعن خصوصيتها الثقافية الحضارية التاريخية .
ولهذا يطرح " ماركيوز " صاحب كتاب " الإنسان ذو البعد الواحد " السؤال التالي : ألا يعتبر الفرد الذي يعمل بشكل عادي وكاف وصحيح , كمواطن في مجتمع مريض , شخصا مريضا ؟
ولهذا _أيضا _ تؤكد بصدق واحدة من المقولات أنه :
{ لا وطن بغير الحرية , ولا حرية مع الديكتاتورية } .
بمعني أن الوطن لا يكون صحيحا ومعافي , وممارسا لوظائفه الأساسية الحيوية , بغير أن تمتلأ رئته بهواء الحرية , كما أن هذه الحرية , يستحيل أن تتواجد مع نقيضها , أي الاغتراب , الذي يشكل المنتوج الأكبر والأعظم للاستبداد .
ولهذا يصبح استبدال ممارسة الحرية , فعلا بالاستبداد , إثما عظيما , أو بصياغة أكثر دقة كما ينطق نص واحدة من المقولات :
{ وما استبدال ممارسة الحرية غير فاحشة كبري وإثم عظيم }.
الوعي التاريخي العربي بطبيعة الإستبداد :
ولكن ما هو الاستبداد, وما هي ملامحه وخصائصه, وسماته , في سياق هذه المقولات , التي تعكس أبعادها في تداخلها وتكاملها وتفاعلها , أهم هذه السمات .
أن هذه السمات رغم انطباقها علي واقع الحال المعاش , تطابق مع تراث الوعي التاريخي العربي , بطبيعة الاستبداد , علي النحو الذي استخلصه مفكر وثائر عربي , هو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي , الأمر الذي يستحق وقفة وإطلالة أكثر تعمقا وتأنيا .
ولد الكواكبي في حلب , عام 1849 وفق أدق المراجع , وظل علي حاله , رائدا من رواد التجديد في الفكر العربي الإسلامي , وداعيا من دعاة التحرر والإصلاح والتحديث , يقف في الصف الأول بغير منازع , من رواد إيقاظ الشعور القومي , واليقظة العربية , حين اشتد عليه حصار أنصار السلطان التركي عبد الحميد , حمل مخطوط كتابه أم القرى وهاجر به متخفيا إلي مصر , حيث أخرجه إلي النور , ثم ألف في مصر كتابه " طبائع الاستبداد " , قبل أن يلقي ربه دون يبلغ الخمسين عاما , حيث دفن بالقاهرة , وحفر علي قبره بيتان من الشعر , كتبهما في نعيه شاعر النيل حافظ إبراهيم , هما :
هنا رجل الدنيا, هنا مهبط التقي
هنا خير مظلوم, هنا خير كاتب
قفوا واقرأوا أم الكتاب وسلموا
عليه, فهذا القبر قبر الكواكبي.
يقول الكواكبي في مقدمة كتابه طبائع الاستبداد : " أنني في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف هجرية , هجرت دياري سرحا في الشرق , فزرت مصر واتخذتها لي مركزا أرجع إليه مغتنما عهد الحرية فيها " , وقد نشر كتابه فصولا في صحيفة " المؤيد " وسرعان ما أضاء كالشهاب الساطع في سماء السياسة والفكر , لقد اختار لكتابه عنوان : " طبائع الاستبداد , ومصارع الاستعباد " , ثم عرفه بما يلي : " هي كلمات حق وصيحة في واد , إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدا بالأوتاد " , وفي مقدمته للكتاب يحدد الأسئلة الجوهرية التي يتوق بحثه أو يلزمه , أن يجيب عليها : ما هو الاستبداد , وما سببه , وما أعراضه , وما سيره , وما إنذاره , وما دواؤه ؟ ... ما هي طبائع الاستبداد . ؟ ولماذا يكون المستبد شديد الخوف.؟ ولماذا يملك الرعب قلوب رعيته.؟ وما تأثير الاستبداد علي الدين , والعلم , والمال والأخلاق , والترقي , والتربية.؟ ومن هم أعوان المستبد .؟ وكيف يكون التخلص من المستبد.؟ وبماذا ينبغي استبداله.؟ .
وقبل أن يعرف الإستبداد بالوصف , يعرفه بمترادفات اللغة . التسلط, والاستبعاد , والإعتساف , ويعرف صاحبه بالجبار , والطاغية , والحاكم المطلق , ثم ينتهي إلي أن الاستبداد هو :
" صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما, التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء , بلا خشية حساب , ولا عقاب محققين " وبعد أن يصف أشكال الحكومة المستبدة , سواء أكانت شخصا واحدا أو جماعة , يمضي في الإحاطة بالمستبد سلوكا وإنتاجا , وتأثيرا فيما يحيط به من دوائر : " المستبد عدو الحق , عدو الحرية , وقاتلهما , والحق أبو البشر , والحرية أمهم , والعوام صبية أيتام لا يعلمون شيئا , والعلماء هم إخوتهم الراشدين , إن أيقظوهم هبوا ,, وإن دعوهم لبوا , وألا فيتصل نومهم بالموت " .
" .. الاستبداد أعظم بلاء , لأنه وباء دائم بالفتن , وجدب مستمر بتعطيل الأعمال , وحريق متواصل بالسلب والغصب , وسيل جارف للعمران , وخوف يقطع القلوب , وظلام يعمي الأبصار , وألم لا يفتر , وصائل لا يرحم , وقصة سوء لا تنتهي .."
وفي الفصل الثاني من كتابه الذي يتحدث فيه عن الاستبداد والدين يسوق الكواكبي ما يقيم الأدلة علي أن ألإسلام مناهض للاستبداد , فقد جاء مؤسسا علي الحكمة والعزم , هادما للتشريك محكما بقواعد الحرية السياسية , مع تأسيسه علي الشورى , ولكنه لا ينفي أن الفساد قد أدخل عليه , بطائفة من العلماء المضللين الممالئين للاستبداد , الذين حرفوا الكلم عن موضعه , وطمسوا علي القبول , وجعلوا الناس ينسون عزة الحرية .
ويربط الكواكبي بين صفات المستبد في الفصل الثاني في إيضاح العلاقة بين الاستبداد والعلم , ذلك إن المستبد حسب تقديره العميق , يدرك أن غشاوة الجهالة , وظلام التيه العقلي , هو الذي يمنح الاستبداد طاقة الاستمرار , وسند الإستقواء , وزاد الاستمرار , ولهذا , فأن المستبد لا تعتريه الخشية من علوم اللغة والأدب , ولا من علوم الدين التي تختص بالعبادات , والميعاد , بل يراها وسيلة لكي تتلها بها أدواته ودعاته , ولكنه يرتعد من العلماء والعلم , الذي يجري في محيط الحكمة النظرية والفلسفة العقلية , وحقوق الأمم , وطبائع الاجتماع , والسياسة المدنية , ونحوها من العلوم التي تساعد علي التفكير المستقيم , فتضئ الحقول وتعرف بالحقوق , ولهذا يخشي المستبد من العلماء المستنيرين , الذين يسعون إلي تنوير العقول , بينما جل سعيه أن يطفئها , وهو يري أنه إذا أضيئت العقول , وزادت المعارف , وأنحسر الجهل , زال الخوف , فلا يستطيع الاستبداد الاستمرار علي نهجه , فإما أن ينصح ويعتدل , وإما أن ينعزل فيعتزل .
ويري الكواكبي أن اللغة العربية ذاتها , دليل علي حضارة الأمة , إذ أن ألفاظها تندر فيها عبارات التفخيم والخضوع , ولهذا فإن تأخر المسلمين عن العلم , هو نتيجة للاستبداد الذي يناهض من بين ما يناهض جوهر الإسلام , في دعوته , وأمره بالتقدم والعلم .
في الفصل الرابع يقيم الكواكبي مقاربة لغوية , ليفرق بين " المجد " و " التمجد " , لأن الاستبداد عنده يغالب المجد فيفسده , ويطرح مكانه " التمجد "وذلك بعد أن يفسد العلم ويفسد العقل , ويلعب بالدين , فالمجد هو تحقيق المرء لمقام حب واحترام في القلوب , لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة , أما التمجد فهو إيثار القربي من المستبد , والعمل له , والتمجد هو الذي يعين المستبد علي الاستبداد والظلم , لأنه أداة التغرير بالأمة , ثم يرسم سلما لصعود المتمجدين , حيث يكون أسفلهم خلقا , أعلاهم وظيفة وأكثرهم قربي , توافقا يصل إلي حد مقولة التجمع القومي الموحد :
{ وتجدهم في متحف السلطان أصناما , تكاد تحسبهم بشرا , يميزهم لون الكفر والمروق , وبين أيديهم مواطنون , لا دولة لهم , ولا وطن لهم , ومثقفون وكتبة , هم أسوا دورا من ثالوث الفردية , والجهل , والإحتلال , وثالوث القهر , والظلم , والإغتصاب }
قبل أن يمضي الكواكبي ليلتقط قانونا سياسيا واجتماعيا عاما , ينتهي إلي فهم السياسة علي أنها عملية كلية , حين يري بنفاذ رؤية , أن الحكومة المستبدة , إنما يحضر استبدادها , في كل فروعها اتساعا وارتفاعا
ويبدو الكواكبي نسيجا فكريا بالغ الخصوصية , وهو يربط بين معارك العالم العربي والإسلامي , في عصره وبين طبيعتها المستمرة , في أنها من البداية إلي النهاية , محض مغالبات علم ومال , فالقدرة الوطنية بعد العلم , هي الأساس في صد المحاربة وصيانة الاستقلال . واحد خواص الاستبداد , أنه يسعى إلي سلب الثروة العامة للدولة , التي يري الكواكبي أنها ثروة الشعب , وهو لا يستلب لنفسه , وإنما يعين على خلق جماعة (المتمولين ) الذين يسهل لهم الاستيلاء على الثروة , بالتعدي على الحقوق العامة , وعلى السرقة من الثروة العامة , واغتصاب ما لدي الضعفاء , هؤلاء الذين يتقربون للمستبد بالوشاية والتملق , وشهادة الزور , ولذلك لا تبدو الحرية عند الكواكبي , مجرد تعبير عن رفض الاستبداد , وإنما هي سعي لنفيه , وتعديل لموازين القوى الاجتماعية , فالحرية ليست حق القول أو الفعل , وإنما هي لا تكون نبتا صالحا يجرد الأرض من أشواك الاستبداد , إذا لم تقم على العدل الاجتماعي , فأهم وظائف الحكومة العادلة عنده ,أنها تعمل علي إزالة الفوارق بين الطبقات , ذلك أنه حين يطل على الأوضاع الاجتماعية في بيئته , يري بحسابه الذاتي إن أقل من خمسة في المائة من الناس , ينتزعون لأنفسهم , أكثر من نصف عوائد المجتمع كله , وهو يري أن ذلك دالة أخري على الاستبداد ومعين له على البقاء , والسيطرة , والتحكم , شأنه شأن نشر الجهل وخنق المعرفة , معبرا عن انحياز اجتماعي كامل , معتبرا إياه بعدا أساسيا من أبعاد معني الحرية , أو على نحو أخر , أحد ضرورات معنى الاستبداد .ولهذا فهو يتطلع في بداية القرن إلي الصين , قائلا: " وحكومة الصين المختلة النظام في نظر المتمدنين لا تجيز قوانينها أن يمتلك الشخص أكثر من مقدار معين من الأرض لا يتجاوز العشرين كيلو مترا مربعا, أي نحو خمسة أفدنة مصرية أو ثلاثة عشر دونما عثمانيا.." مطالبا حكومات الشرق بأنه تضع قوانين لملكية الأراضي الزراعية , وألا فأن الشرق لن يجد من يلتمس له الرحمة. وهكذا في الفصل الخاص بالاستبداد والمال يقول الكواكبي:" المال عند الاقتصاديين ما ينتفع به الإنسان , وعند الحقوقيين ما يجري فيه المنع والبذل , وعند السياسيين ما تستعاض به القوة , وعند الأخلاقيين ما تحفظ به الحياة الشريفة , المال يستمد من الفيض الذي أودعه الله في الطبيعة ونواميسها , ولا يملك إلا بعمل فيه أو في مقابله "
وحين يطرح الكواكبي , في أخر فصول كتابه ,سؤالا , عن كيفية التخلص من الاستبداد , يعقد أكثر من مقاربة بين الأمة وحالها في الاستبداد , وحالها بدونه , وبين دور الحكومة المستبدة ووظيفتها الطبيعية , وبين الحقوق الأصلية للأمة , والحقوق المطلوبة لحكامها , أنه يتساءل عن الأمة قائلا " هل هي مخلوقات نامية أو جمعية عبيد لمالك متغلب وظيفتهم الطاعة والانقياد ولو كرها , أم هي جمع بينهم روابط دين أو جنس أو لغة ووطن وحقوق مشتركة وجامعة سياسية اختيارية لكل فرد إشهار رأيه فيها ". ويتساءل عن الحكومة قائلا : هل هي سلطة امتلاك فرد لجمع يتصرف في رقابهم , ويتتبع بأعمالهم , ويفعل فيهم بإرادته ما يشاء ؟ أم هي وكالة تقام بإرادة الأمة لأجل إدارة شئونها المشتركة العامة.
ثم يتساءل عن الحقوق العمومية: هي حقوق أحد الملوك ولكنها تضاف للأمم مجازا , أم هي حقوق جموع الأمم وتضاف للملوك مجازا , ولهم عليها ولاية الامانة والنظارة .
وفي هذا السياق يواصل فكر الكواكبي كشف أعماق الظواهر المحيطة بالسلطات , كالسعي في رفع الاستبداد , والسعي في العمران , والرقابة على الحكومة , والتساوي في الحقوق , والترقي في العلوم والمعارف , والتقسيم بين السلطات.
الحرية عند الكواكبي أو قل في الموروث الحي للثقافة العربية الإسلامية , هي نقيض الاستبداد وهي نفي صفاته , وطبائعه , وأمراضه التي يخلعها على المجتمع , فيصبح المجتمع نفسه صورة أكبر للاستبداد , تأخذ كل ملامحه وقسماته , وهو فهم يعبر عن نفسه في مفهوم أكثر نضجا واتساعا وعمقا لمفهوم الحرية ذاته , فهي في إطار تشريحه لظاهرة الاستبداد , عنده ليست مجرد تعبير عن رفض الاستبداد وإنما هي سعي لنفيه .
ذلك أنها مفهوم مركب من قيم العدل , والعلم ,والخصوصية , والتحديث , والدين , والأخلاق , والجماعية , وصيانة مقدرات الأمة وتنميتها , بل هي تكاد أن تقترب من أنضج مفاهيم الأمن القومي .
تطوير نظرية " العقد الإجتماعي في الفكر الغربي ":
كانت الثورة التجارية في الغرب هي التي سعت إلي القضاء على النظام الإقطاعي , وتبنت فكرة الدولة القومية , وبقيامها تم تغيير مفهوم الشرعية , وكذلك حق الاستبداد.
فردا على ادعاء الكنيسة أنها المصدر الالهى للسلطة صيغت نظرية الحق الإلهي للملوك , كما صيغت نظرية سلطة الملك المطلقة على أراضيه , في مواجهة سلطة الإقطاع , ثم تم دمج الحق الإلهي للملوك , في سلطة الملك المطلقة علي أراضيه لتقوم نظرية سياسية غريبة جديدة للسلطة , الملك المطلق الإرادة , العادل بطبعه , والحريص على مصالح شعبه , أنها نظرية السلطة المطلقة , التي منحت المشروعية للاستبداد , بالحق الطبيعي بعد الحق الإلهي , ولقد كانت فكرة "العقد الاجتماعي "قائمة في قلب التشريع اليوناني , الذي رأي أن الشعب يحول سلطته إلي الإمبراطور ليحكم مختارا بموجبها , ثم تحولت فكرة العقد الاجتماعي , التي ترجع أصل السلطة إلي الشعب , ثم بالتفويض إلي الحاكم , أن تسود في الفكر السياسي الغربي , حتى نشوب الثورة الفرنسية , حيث أصبح الاستبداد مقبولا شرط أن يكون مستنيرا, وهكذا رآي مفكرين كبار مثل (فولتير ) ( وديدرو ) أن حكم ملوك مطلقة السلطة , على غرار كاترين الثانية في أسبانيا , وجوزيف الثاني في النمسا , وفردريك الأكبر في روسيا , أكثر صلاحا من الحكم الدستوري في انجلترا .
لقد أدخلت تغييرات على نظرية "العقد الاجتماعي " مع روسو مثلا الذي تحول بالعقد الاجتماعي عن تعبيره عن الإرادة العامة , إلي التعبير عن إرادة الأكثرية , ثم مع الفيزيوقراطين إلي التعبير عن قوانين الطبيعة , التي هي ليست من صنع البشر , والتي تتلخص في ثلاثة مبادئ أساسية :الملكية , الحرية , الأمن , حيث لا تخرج وظيفة السلطة عن تحقيق هذه المبادئ , حماية الملكية ,وصيانة الأمن , أي الدولة من العدوان الخارجي , ورعاية الحرية , خاصة في التجارة , التي ينبغي أن لا تخضع لشيء غير المنافسة الطبيعية .
ثم لحقت بالنظرية نفسها تغييرات أخري , تقوم على أساس مبدأ المنفعة , الذي تتحقق به السعادة لأكبر عدد من الناس , ليصبح مقياس المنفعة هو تحقيق اللذة, ومقياس الضرر هو تحقيق الألم , ثم قدر لنظرية العقد الاجتماعي , أن تأخذ أهم صور صياغتها تعبيرا عن التطور في الفكر الأوربي , على يد "جون ستيوارت ميل" , بعد أن وصل إعلاء الفردية إلي منتهاه وأصبحت نظرية العقد الاجتماعي , في خدمة الشرائح العليا من الرأسمالية الصاعدة , فقد انتهت تجربة الثورة الفرنسية بعد أن انتهي نابليون نفسه , وعادت إلي حكم البوربون وانتهي مؤتمر (فيينا ) إلي تأسيس نظام أوروبي , يحول دون أن تعود الثورة من جديد , ولكن الجديد في قلب الثورة الصناعية كان يطرق الأبواب بقوة متسلحا بالنزعة الفردية في إطار نظام اقتصاد حر , ونظام برلماني , منح كبار الممولين الأثرياء احتلال مقاعد البرلمان .
غير أن منتصف القرن التسع عشر كان يبلور بسبب عوائد الاستبداد المتراكمة , ومغارمه , الاجتماعية , وفشل الديموقراطية الفرنسية بعد ثورة 1948 , جنوحا إلي مبدأ العدل الاجتماعي , ليأخذ منحي أكثر وضوحا للتعبير عن مبدأ فكرة الاشتراكية , التي تمتعت بعديد من الصيغ , والصياغات , إضافة إلي أن جاذبيتها غدت أكثر حرارة في كثير من متون الفكر السياسي , لتنطوي أسس البحث في الفكر السياسي الجديد , علي التفتيش في صيغة تحفظ التوازن بين حرية الفرد وحرية المجتمع , ورغم تعدد هذه الصيغ في الفكر السياسي الغربي , في المرحلة التالية , ألا أن هذا التوازن ظل قلقا وملتبسا , ويكاد أن يشكل انحيازا دائما ومستمرا لصالح الفرد , وعلي حساب المجتمع , إن هذا التصور يشكل نقطة فارقة جوهرية , في صلب التوجهين الفكريين الغربي والعربي , فقاعدة التوازن الموضوعي , التي تتشكل من مجمل المصالح العامة للأمة , هي رمانة الميزان, في الحدود بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة , في الفلسفة العربية الإسلامية .لكن هذه القاعدة للتوازن في الفلسفة الغربية , علي وجه العموم , إنما ترتكز علي خصوصية الفرد , وعلي المفهوم الذاتي لحريته الشخصية .
ولهذا فإن التعرض لجوهر فكرة الحرية في مقولات التجمع القومي الموحد, تضئ علي نحو ساطع هذا العمق الفلسفي , بخصوصيته القومية , في قضية الحرية , ليس باعتبارها نزوعا للتوازن الصحيح بين الجماعة والفرد , أو بين المجتمع وبينه, ولكنها باعتبارها نسقا متعدد الأبعاد للعلاقة بين الفرد والجماعة علي جانب , وبينهما وبين الجماعة الإنسانية كلها علي جانب ثان , وبين هذه المفردات جميعها الفرد والجماعة الوطنية أو الجماعة القومية , والجماعة الإنسانية , في رحاب كوني موصول بناموس هذا الكون .
هكذا يفصح المعني عن ذاته في منطوق هذه المقولة:
{ ليست الحرية غير ما تحسه من موضوعية الوجود ووعي الإرادة و العفوية في الجد وكخيار مستمر للبحث حقيقة السلام ووحدة الإيمان بالله وعدالة المصير القومي } .
أن الحرية في الفلسفة العربية الإسلامية هي جوهر حقيقي موصول بالحقيقة والإيمان والعدالة, كما أنه متصل بالإرادة الإنسانية ذاتها , وبالتالي فإن المفهوم , كما هو في رؤية التجمع القومي , مجردا تماما من نزعة التمييز التي تغالب الحرية ذاتها , في الأدبيات الأساسية للفلسفة الغربية , وإذا كان كتاب ستيوارت ميل , يعتبر في هذا السياق , قمة موجة فلسفة الحرية , في هذا الفكر فإنه يستحق وقفة مستقلة , لتباين ملامح الخصوصية علي جانب , ونزعة التمييز علي الجانب الآخر .
نزعة التمييز وازدواج الرؤية والمعايير :
يبدوا الخط العام في نزعة التمييز في مفهوم الحرية , وكأنه دالة موضوعية , علي العمق التاريخي , لازدواجية الرؤية , ومن ثم الموقف الأوربي , مستندا إلي تراث عريض من هذه الازدواجية , التي طبعت مدارس كاملة في هذا الفكر , ثم اندفعت تعبر عن نفسها في ازدواجية للمعايير , ما تزال تطبع السلوك الغربي كله .
لقد حاول ستيوارت ميل أن يخلق أكثر ممن سبقوه, توازنا بين الفردية والجماعية , ولكنه ظل توازنا قلقا , كما أنه وهو الأهم ظل تعبيرا عن انقسام في الرؤية , وازدواج في المعايير , فقد أنكر ميل علي الأمم التي ما تزال في طور البداية , أو التي تتسم بعدم النضج ، الحق في الحكم الديموقراطي , بل منح الاستبداد حقا في السيادة والإخضاع , ما دام في تلك الأمم والشعوب الناقصة النضج , ينشد مصلحتها من وصايته عليها .ولقد كانت تلك هي حجة الاستعمار التقليدي في حكم المستعمرات, وما تزال حجة الإمبريالية في مرحلة انحطاطها , وهي تستخدم أسلحتها الثقيلة ضد الشعوب في أسيا وأفريقيا , باعتبارها راعية للحداثة والديموقراطية .
لقد شبه ميل هذه الشعوب بالأطفال والقصر ,الذين ينبغي أن تنكر الحرية عليهم , ما داموا في حاجة إلي من يقوم بحمايتهم من أنفسهم , قبل غيرهم , فالأمم والشعوب التي لم تبلغ سن الرشد , ليس لها الحق في حكم نفسها , واستخلاص حريتها , واستقلالها بوجهتها .
أن كتاب الحرية لميل لا يقدم فقط القاعدة الفكرية الأساسية التي أتبني عليها الفكر الغربي فهمه لقضية الحرية, ولكنه يضئ عمقا ثريا في هذه الازدواجية المستمرة , والمتصلة , والمزمنة لمواقفه ومعاييره.
يري ميل في مقدمة كتابه إن أخطر ما يتعرض له الفرد هو استبداد المجتمع , وهو يري أن سلطته يمثلها سيادة العرف , بينما يمثل القانون سلطة الحكومة , وفي ظل هاتين السلطتين , ينتهي إلي أنه لا يجوز التعرض لحرية الفرد إلا لحماية الغير منه , أو لمنعه من الإضرار بغيره , فهما الغاية الوحيدة التي تبرر التعرض لحريته , وتنتفي دونها كل غاية , وإن تعللت بحجة حمايته من الإضرار بنفسه أو ماله , فالإنسان حر التصرف في ذاته , وأن كان ذلك عنده لا ينطبق على الشعوب المتأخرة , التي تتساوي مع الطفل والقاصر , في حاجتها إلي يد قوية , ترعاها وتصلحها وتوجهها .
فلا حرية لشعب لا يدرك صالحه , ولا يعرف معني المساواة وفضيلة الحوار, ومثله عليه أن يخضع لطاعة عاهله المستبد العادل.
غير أن ما يتصل بالفرد , ولا يؤثر في الغير, وهو مناط حريته , فيتمثل عنده في حرية الضمير الموصولة بحرية العقيدة والفكر, وحرية الاختيار الذاتي لأسلوب الحياة وفق ما يرضي الفرد حتى وأن تسبب الاختيار في ضرر لصاحبه , ثم حرية الاجتماع والمناقشة .
ويري ميل " أن إطلاق حرية الفكر والمناقشة هو وحده السبيل لحماية الفرد من سطوة سلطة المجتمع , وسلطة الحكومة, حيث لا يجوز لكليهما حرمان الفرد من إعلان رأيه , مهما كان مخالفا لما هو محل إجماع, ومهما كان مناقضا لعقيدة المجتمع .
فادعاء العصمة في الإجماع إنما هي إقامة لليقين علي باطل.
" أن ادعاء العصمة معناه إجبار الغير علي قبول ما نراه في العقيدة دون أن نسمع رأيه فيها , ولا أستطيع أن أدعي العصمة وأن كانت لحماية أعز معتقداتي " مستبينا الدليل علي ذلك من المجتمع الذي اتهم سقراط بإفساد عقول الشباب , ومن حكومة أثينا التي حاكمته وأعدمته , ومن الذين واجهوا المسيحيين الأوائل بالتعذيب , فقد كان الإمبراطور العادل الحكيم "ماركوس اوريليوس" أحد معذبيهم , بل كان "القديس بولس"واحدا من الراجمين لهم .
إن حرية الفكر وحرية المناقشة والتعبير , تحتل موقعا فريدا في رؤية ميل للحرية, بما في ذلك حرية مناقشة العقائد ذاتها , لأن المناقشة ينبغي أن تكون حرة , دون قيود قائمة على فعل العقل وحده , ولأن تحريم مناقشة العقائد , إنما ينقلها إلي طور الجمود , ثم ينقلها إلي الانحطاط , فالأفول ولا يبقي منها سوي الألفاظ والكلمات , التي تغطي على جوهر العقيدة , فيتآكل ويتلاشى بعد أن يضمحل ويأفل , شأن ذلك شأن الحياة السياسية , التي لا تقوم _عنده_ إلا علي رأيين متعارضين , يصبح معهما الرأي العام هو الفيصل والحكم.
غير أن ميل يري بعد ذلك سلطة المجتمع مجبولة علي أن تهدد الفردية , وتقضي علي استقلالها , وعلي نمو دوافعها الفطرية, فالفردية عنده عنصر أساسي من عناصر الحياة الطيبة, ولهذا فإن الحد الفاصل بين حقوق الفرد وسلطة المجتمع هو أن ما يخص الفرد وحده , هو من حقوقه , وما يخص المجتمع فهو حق للمجتمع , فالإنسان حر في كل ما يتصرف به ويتعلق بذاته , ولكنه ليس حرا فيما يصيب الآخرين بضرر , فالذات حرة طالما لم تتجاوز إلي الأضرار بحقوق الغير , وقد يستوجب ذلك العقاب , ولكن العقاب ليس وجها إلي التصرف أو الفعل , وإنما إلي ما يترتب عليه من أضرار بالغير.
التحلل الأيديولوجي ونهاية اليوتوبيا :
أن الفلسفة الغربية في طبعتها المثالية لم تر الفرد إلا في ذاتيته , ولم تري الحرية بالتالي إلا في فرديتها ,ولهذا فإن مظاهر العدم تبدو في الوعي الأوربي حقائق ثابتة .
وإذا كانت النظرة الغربية عند فلاسفة القرن الثامن عشر ظلت نظرة عملية تحدوها المنفعة , ويحددها إطلاق نزعة الفرد , وإذا كانت هذه النظرة قد تمخضت عن مدرستين أساسيتين , المادية والمثالية , حيث ولد يقين مؤقت , وحتميات غلب عليها الطابع الميكانيكي . فإن جميع فلاسفة القرن العشرين في الغرب يمكن أن يتم تصنيفهم في اتجاهين , إما نقد المثالية كالبرجماتية, والوضعية المنطقية, وإما نقد التجريبية كمدرسة فرانكفورت والوجودية ,قبل أن تبدأ ظاهرة "موت الايدولوجيا " عند منتصف هذا القرن الأخير ليصبح التحلل الأيديولوجي ونهاية اليوتوبيا , هما أهم سماتها ...
لقد كتب فوكوياما قبل سنوات قليلة:فيما يشبه صوت النعي يقول : " ستكون نهاية التاريخ حدثا جد حزين ,فالنضال من أجل التميز , والمخاطرة بحياة الفرد من أجل هدف مجرد خالص .والصراع الأيدلوجي على مستوي العالم , الذي يستثير الجسارة والشجاعة والمثالية و الخيال, ستحل محلها جميعا الحسابات الاقتصادية , والحلول التي لا تنتهي للمشاكل التقنية , والاهتمامات البيئية, وإشباع المطالب المتحذلقة للمستهلكين , في حقبة ما بعد التاريخ, لن يكون ثمة شعر ولا فلسفة , فقط الوصاية الدائمة علي متحف التاريخ "
أليس إعلان موت الروح بعد إعلان موت الرب ؟
علي النقيض من ذلك كله تجيء الحرية في مقولات التجمع القومي الموحد , حيث لا تبدو الحرية هدفا فرديا , أو حتى جماعيا , إنها ليست في حد ذاتها الهدف , ولكنها الشرط الأولي الجوهري , لكي تتقدم الحياة والمجتمعات الإنسانية , نحو أفق أكثر عدلا وإنسانية وسلاما .
" أذنوا للحرية....." هكذا تقول واحدة من مقولات التجمع الوطني , لأن الحرية عندها فعل, أنها أذان , أي إعلان وجهر قوي عن وعي تاريخي مكتمل, أن الشيء الحر في مفردات اللغة العربية, هو الخالص من الشوائب , تقول ماء حر أي لا شوائب فيه , فالحرية هنا هي الخلوص من الشوائب , سواء أكانت داخلية أم خارجية , هي الخلوص من الشوائب في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية .. أي التخلص من القيود لكنها التخلص _ أيضا _ من الشوائب الداخلية, أي من قيود الذات من نزعة الاستبداد, أو نزعة التحكم والتملك والاستغلال والسيطرة , ولذلك فإن تعبير تحرير الكتاب في العربية إنما يعني تقويمه وليس تدبيجه فحسب .
, الحرية _ إذن _ هي نفي الاغتراب , كما هي نفي الاستبداد إنها البديل والممكن والضرورة , أما الحل الأخر في ظل الأوضاع التي تنفي الحرية في أوطاننا , فقد لخصه الشاعر الألماني الكبير " بروتولد برخت " في قصيدة آبان هبة السابع عشر من يونيو عام 1953 في ألمانيا الشرقية , حملت العنوان ذاته : " الحل: يقول نصها " .
بعد هبة السابع عشر من يونيو وجد رئيس إتحاد الكتاب وريقات توزع في المقر الستاليني تؤكد أن الناس قد فقدوا ثقة الحكومة ويستطيعون أن يستعيدوها إذا هم بذلوا جهودا مضاعفة، أليس من الأيسر بالنسبة للحكومة في هذه الحالة ان تقوم بحل الناس... وأن تنتخب ناسا سواهم.
في البدء هنا _ كما قلنا منذ البداية _ لم تكن الكلمة, وإنما كانت الحرية , وفي المنتهي ستكون الحرية أيضا , فردوس الإنسانية , الذي تتقطع الطرق وصولا إليه.والحارس القيمىّ , لكل قوافلها , في رحلة التقدم والمجد.
إنها _ أي الحرية _ هنا في مقولات التجمع القومي الموحد _ نفي حقيقي للاغتراب. الاغتراب العدمي, والذاتي, والنفعي, والاداتي. فهي صدق , وفعل , ومسئولية, وانتماء, وإدراك صحيح, كما أنها التزام وطني , وقومي , وإنساني في إطار وحدة الوجود, تشكل عمقا ثريا , في صورة الوعي القومي العربي
التتمة في الأرشيف |